مراجعة قانون الانتخاب: فرصة مهدورة وحفاظ على المزارع
نادر فوز
وجد اللبنانيون فرجاً بعد اتفاق الدوحة. عند سماع عبارة «تعديل قانون الانتخابات النيابية وإعادة رسم تقسيمات الدوائر وإدخال الإصلاحات»، وبعد اجتماعات للجنة الإدارة والعدل خرج إلى الهيئة العامة لمجلس النواب مشروع جديد للانتخابات. أراد الجميع التخلّص مما سمّوه «قانون غازي كنعان» وإذ أطل علينا قانون 1960 ومعه تعديلات على صعيد الدوائر وإصلاحات لا تأثير لها على صحة التمثيل، ولو أنها تدخل بعض الضوابط.
من هذه الإصلاحات، اعتماد بطاقة الهوية، أو الباسبور لبعض الحالات الاستثنائية، والتي يستحيل تزويرها وقد تساعد مستقبلاً في مكننة عملية التصويت والفرز. وجرى أيضاً حصر الإنفاق المالي للحملات الانتخابية بمبلغ 150 مليون ليرة لكل مرشّح، إضافةً إلى مبلغ آخر يبقى على وزير الداخلية تحديده بحسب حجم الدائرة الانتخابية وحجم عدد المقترعين. وفي موازاة تحديد الإنفاق الانتخابي، اتّفقت الكتل النيابية على وضع ضوابط إعلامية وتحديد ساعات الإطلالات الإعلامية لكل مرشّح، إلا أنّ هذا البند يبقى غير جدي في ظلّ عجز الدولة عن محاسبة الفضائيات، إضافةً إلى وجود وسائل إعلام واضحة الانتماء السياسي. وينصّ القانون على التزام الإعلام الرسمي الحياد في كل المراحل الانتخابية.
ولعل أهم الإصلاحات التي دخلت القانون الانتخابي، إجراء الانتخابات في يوم واحد، ما يحول دون تأثير نتائج دائرة على أخرى ويمنع نقل الماكينات الانتخابية من منطقة إلى أخرى (وبالتالي يحدّ من الإنفاق)، كما يمنح المرشحين «الصغار» بعض الأمل بالمنافسة. وبحسب القانون الذي أقرّ، يقترع الموظفون الذين يديرون أقلام الاقتراع، أي رئيس القلم ومساعده، قبل يومين من العملية الانتخابية. ويعطي القانون وزير الداخلية حق إجراء الانتخابات خلال يومين إذا رأى الأخير أنّ الأسباب الأمنية لا تسمح بإجرائها في يوم واحد.
وأقرّ المجلس النيابي بند إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات، وإدارتها تكون برئاسة وزير الداخلية. كما بتّ موضوع اقتراع المغتربين سنة 2013، رغم تقديم النواب بهيج طبارة وإبراهيم كنعان ونعمة الله أبي نصر آلية واضحة يمكّن العمل بها المغتربين من الاقتراع بحلول آذار 2009. واللافت أنّ أي نائب أو كتلة لم يعترض على هذه الآلية، ورغم ذلك لم يجر الأخذ بها.
وسمح القانون المقرّر لرؤساء البلديات بالترشّح، على أن يقدّموا استقالاتهم قبل ستة أشهر من إجراء العملية الانتخابية. واستثنى هذا البند رؤساء اتحادات البلديات ورؤساء البلديات ـــــ المحافظات. وبهذه الصيغة يكون رئيس بلدية دير القمر، دوري شمعون، قد ربح حقّه بالترشّح، فيما علق رئيس بلدية صيدا، عبد الرحمن البزري، لكونه رئيس اتحاد بلديات صيدا ـــــ الزهراني.
وحسم النواب هذه الإصلاحات، إلا أنهم لم يقرّوا ما هو أهم، وما يمكن أن يشكّل إصلاحاً حقيقياً للتمثيل النيابي والحياة السياسية في لبنان. فبقيت قضية اعتماد قانون نسبي معلّقة رغم ترحيب كل الكتل بها بصفتها تسمح بتمثيل الجميع، كل بحسب حجمه، وعدم احتكار القرار السياسي في منطقة واحدة من قبل طرف واحد، وعلى أنها تضيف إلى السياسة نكهة كانت غائبة نتيجة إقصاء قوى سياسية. وأدى «تطيير» النسبية إلى إلغاء إقرار الكوتا الخاصة بتمثيل النساء.
وبموازاة النسبية، بقي أيضاً «على الرفّ» موضوع خفض سنّ الاقتراع إلى 18 عاماً على اعتبار أنه بحاجة إلى تعديل دستوري ولا يحق لمجلس النواب اقتراح تعديل الدستور في العقد الاستثنائي. وفيما يحق للحكومة طرح موضوع تعديل الدستور، اكتفى الرئيس السنيورة ووزراؤه بالجلوس ومتابعة الجلسة.
أما إعطاء حق الاقتراع للعسكريين فقد رفض لـ«عدم إدخال لوثة السياسة إلى المؤسسة العسكرية»، بحسب رئيس كتلة اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط.
أما اقتراح وزير الداخلية باعتماد ورقة للاقتراع معدّة سلفاً، فقد سقط لاعتبار عدد من النواب أنّ قسماً من الناخبين أميّون أو يصعب عليهم فهم هذه الصيغة. أي باختصار أنّ الناخبين لا يمكلون القدرة للعمل وفق الاقتراح. سقط مشروع الورقة رغم أنّ «بدعة الأمية» سقطت بوجود صورة لكل مرشح إلى جانب اسمه، ورغم تعهّد الوزير بارود بتقديم مجموعة نماذج عن المشروع، ورغم أنها تضع حداً للتزوير وتفتح باباً لمكننة العملية الانتخابية.
أما التقسيمات التي أقرّها النواب فهي التي اتّفق عليها المجتمعون في الدوحة، أي تقسيم بيروت إلى ثلاث دوائر، والإبقاء على كل من أقضية مرجعيون وحاصبيا، راشيا والبقاع الغربي، بعلبك والهرمل، دوائر انتخابية موحّدة خلافاً لقانون القضاء، ما يكرّس عملية المحاصصة واتفاق الأطراف على إبقاء كل منها «مزرعته الخاصة».
لا شكّ أنّ لجنة الوزير السابق فؤاد بطرس تشعر بأنّ مجهودها ذهب هباءً، فتبيّن أنّ الإصلاحات التي قدّمتها منها بسمنة وأخرى بزيت. أما الوزير بارود فـ«الله يساعده» بحسب الرئيس بري.





