سأل هيل الأكثريّة: ماذا تفعلون إذا كنتم ستخسرون الانتخابات؟
جان عزيز
ليس عامل الوقت الضاغط وحده، ما كان الدافع إلى إنجاز لجنة الإدارة والعدل مشروع قانون الانتخاب، بهذه السرعة، التي لامست في الكثير من فصوله ومندرجاته، حدّ التّسرّع.
ثمّة دافع آخر، يهمس به بعض النواب المعنيين، ألا وهو التساؤل الكبير، عمّا إذا كان سيقيّض للانتخابات النيابية المقبلة أن تحصل فعلاً. حتى إن عدداً من هؤلاء، كان يصرّح في شكل شبه علني، أنه إذا كان المطلوب ذريعة لتطيير الاستحقاق الانتخابي، فليتمّ البحث عنه خارج ساحة النجمة، وفي ساحة غير ساحة القانون الانتخابي. نحن أدّينا واجبنا، والباقي على حساباتهم الأخرى، هكذا يسرُّ كثيرون من أعضاء المجلس.
وفي تدقيق أولّي حول بواعث هذا الكلام وخلفياته، يتّضح سريعاً أن هاجس تطيير الانتخابات قائم لدى طرفي الصراع السياسي في البلاد. وكل منهما ينسج له سيناريوهات وأغراضاً ولاعبين، في شكل يتهم الفريق الآخر.
عند فريق الأكثرية الوزارية، يوجّه الاتهام سريعاً نحو سوريا. وتنطلق قراءته من اطمئنانه إلى قدرته على الفوز بالغالبية النيابية في الربيع المقبل، ليسهب بالقول إن هذه القدرة معروفة لدى الخصوم، وخصوصاً لدى سوريا. فوفق حسابات هذا الفريق، أن المقاعد النيابية الثمانية أو التسعة على أقصى حد، والتي يمكن أن يخسرها في الشمال وبعبدا، وفق القانون الجديد، ستكون قابلة للتعويض كلياً أو جزئياً، بين أقضية جبل لبنان الشمالي وزحلة وصيدا. وبمعزل عن الخوض في عملية المسح التفصيلي، يجزم فريق الأكثرية الوزارية، أن النتائج التي سيأتي بها قانون 1960 المعدّل، لن تلغي الفارق القائم حالياً لمصلحته في المجلس النيابي، وبالتالي فإن الغالبية النيابية مضمونة. ولذلك يعتبر هذا الفريق أن الورقة المستورة التي ستلجأ إليها دمشق، هي التدخل المباشر في كل من دائرتي عكار والبقاع الغربي، حيث يتوقع أن تلجأ سوريا إلى ممارسة ضغوط عنيفة سافرة، لتعديل نتائج انتخابات 13 مقعداً في هاتين الدائرتين، ترى فيها الهامش الكافي لقلب الغالبية النيابية.
ويقرأ الفريق نفسه في الانتشار العسكري السوري على حدوده الجنوبية، مؤشراً من مؤشرات هذا السيناريو. فهو وفق رأيه، شكّل في الوقت نفسه، بالون اختبار لردود الفعل الدولية، وعامل تهويل على القوى الداخلية المعنية في المقلب اللبناني من الحدود، ليخلص هذا الفريق إلى الجزم بأن سلوكاً كهذا، في حال حصوله، سيؤدي إلى سلسلة تداعيات داخلية وخارجية، تؤول إلى تطيير الانتخابات.
وفي المقابل، يقدم فريق الأقلية الوزارية قراءة مناقضة. وهي قراءة تنطلق كما سابقتها، من اطمئنانه إلى فوزه بالغالبية النيابية في الاستحقاق الانتخابي المقبل. ويشرح بأن الأكثرية التي نشلت بموجب قانون الحريري ـــــ كنعان، ستخسر خمسة مقاعد على الأقل شمالاً، وخمسة أخرى على الأقل في بعبدا، إضافة إلى خسائر مماثلة في بيروت الأولى والثانية والبقاع الغربي وصيدا نفسها، من دون أي قدرة على التعويض في الدوائر التي يشغل مقاعدها هذا الفريق. وبالتالي فإن حسابات الخسارة باتت محسومة، وهو ما دفع فريق قريطم، برعاية عرّابيه الخارجيين، إلى القيام بسلسلة خطوات تمهّد لتطيير الانتخابات. أولها المصالحات الشكلية الجارية، والتي تخفي تنصّلاً من تفجير كبير قد يتجدد شمالاً. وثانيها ضخّ كميات هائلة من الأموال على الساحة المسيحية، لا لقلب موازينها الانتخابية، بل لتوتيرها ومنع أي مساعٍ للتسويات بين أطرافها. وثالثها والأهم، انتظار عودة دايفيد هيل إلى بيروت.
إذ يؤكد فريق الأقلية الوزارية، أن المسؤول الأميركي سأل في زيارته اللبنانية الأخيرة، قيادات حلفائه: ماذا ستفعلون إذا كنتم تتجهون إلى خسارة الانتخابات؟ وسمع أجوبة متباينة، بينها: تطيير الانتخابات. فطلب هيل دراسة الموضوع، وتوحيد الجواب، قبل عودته للمتابعة.
قراءتان متناقضتان، لكنّ بينهما هاجساً موحّداً.





