البقاع بين المصارعة والمصالحة
عفيف دياب
أنصار المستقبل في البقاع (ارشيف)من يضع العصيّ في دولاب المصالحة الأهلية في البقاع الأوسط؟ ومن المستفيد من «إنعاش» التوتر بين الأهالي؟ ومن يعرقل عمل قوى الأمن الداخلي والجيش اللبناني في ضبط الأمن في منطقة كثيراً ما اشتهرت بعيشها الآمن والهادئ، ما حوّلها إلى مكان إقامة مفضّل عند فقراء البقاع وأغنيائه على حد سواء؟
فالبقاع الأوسط، الذي يشهد منذ انشطار البلاد في ربيع 2005 بين موالاة ومعارضة، توتّرات أمنية متنقّلة من قرية إلى أخرى تشعل نارها بين الحين والآخر الخطابات والمواقف السياسية المتطرفة من كلا الطرفين، لم يعهد في تاريخه السياسي انقساماً أصاب مباشرة أمنه الاجتماعي الذي أصبح واقعاً لا يمكن أحداً تجاهله، والذي تتّجه أخطاره صعوداً نحو فرز سكاني بدأت بوادره تظهر في أحاديث أبناء المنطقة، وتصرفاتهم.فحرق السيارات في مجدل عنجر ليس «مسألة فردية»، والتخاطب شبه اليومي بين سعدنايل وتعلبايا وتعلبايا ــــ تعلبايا بالرصاص الحيّ ليس ناجماً عن خلافات عائليّة أو رد فعل على سلوك مراهق أراد أن «يشبّح» أمام صديقته بسيارة والده، إلى ما هنالك من «أسباب» سخيفة يضعها سياسيون أو أمنيون لتبرير عجزهم أو ربما دورهم في تأليب الناس بعضهم ضد بعض.
الحقيقة أن التوترات المتنقلة في البقاع الأوسط هي «فتنة مذهبيّة» تترجم يومياً بالرصاص وإحراق السيارات والاعتداءات المتبادلة على المنازل، ولا يمكن استبعاد التصعيد ما لم تتدارك الأحزاب والقوى المختلفة «ما جنته» المنطقة من مواقفهم وخطاباتهم اليومية، فضلاً عمّا جنته وتجنيه من دسائس الأجهزة والعملاء.
ولا يمكن المراقب أن يبرّئ رجال الدين الذين يحسنون لغة التحريض، مستغلين الأفراح والأتراح ومآدب رمضان، بينما تقف الأجهزة الأمنية عاجزة عن وضع حد للسلاح المنتشر عشوائياً بين أيدي الصبية الذين يقيمون حواجزهم في الأحياء الداخلية وعند مداخل قراهم وبلداتهم.
ويقول مسؤول أمني: «أصبح أصغر ولد مسلح ببندقية كلاشنيكوف يهدد الأمن في كل البقاع الأوسط، وحين نتدخل نشعر بأننا نرتكب جريمة بحق هذا الزعيم أو ذاك! لقد سمعنا اتهامات بأننا مع هذا الفريق ضد ذاك، وللأسف الشديد، الناس هنا لا يعرفون ماذا يفعلون». العديد من شخصيات المنطقة يتهم صراحة أحزاباً وتيارات في الموالاة والمعارضة معاً، وحتى من يدّعي أنه في الوسط، وصولاً إلى شخصيات نيابية تطمح لأداء «دور سياسي على حساب دماء الناس» وفق تعبير واتهام رئيس إحدى بلديات البقاع الأوسط، فـ«كل ما يحكى عن مصالحة هنا كذبة، ومن يريد المصالحة عليه أن يرفع حمايته عن المخلّين بالأمن، وهذا الاتهام يطاول جميع القوى والأحزاب لا طرفاً دون آخر. لا ندري لماذا لا يسمح للجيش بتنفيذ مداهمات لأماكن وجود مطلوبين افتعلوا توترات أمنية؟ ولماذا لا تترجم المصالحة فعلياً وميدانياً، فالذين يفتعلون المشاكل يعرفهم الناس وأيضاً الأجهزة التي عليها حسم الوضع وعدم انتظار الغطاء السياسي، فوضع حد للانفلات الأمني يجب أن لا ينتظر قراراً سياسياً».
وإزاء هذا الكلام الأمني، توقّفت جهات سياسية محلية عند ما سمّته «فشل مساعي المصالحة» التي عقدت جلسات حوارها في المنطقة أكثر من مرة. ويقول نائب ووزير سابق إن أسباب فشل هذه المصالحات «نابع من رغبة البعض في إبقاء التوتر قائماً حتى تحقيق مكاسب سياسية في مكان آخر». ويوضح أن زيارة النائب سعد الحريري إلى المنطقة «لجمت التدهور، ولكن الحريري لم يعمل من أجل مصالحة أهلية في المنطقة، تاركاً الأمر إلى نواب من كتلته للعب دور تقريب الأهالي بعضهم من بعض، ولكن المصالحة الأهلية تتعارض مع مصالح هؤلاء النواب الذين يجدون في التوتر الأمني فرصة لا تعوّض لتعويم أنفسهم وحماية مصالحهم، ومنها الانتخابات النيابية المقبلة».
وفي ظل هذا المدّ والجزر، برزت على سطح الخلافات الأهلية المحلية «حرب» البيانات، فأهالي تعلبايا ـــــ سعدنايل الموالين لتيار المستقبل أصدروا بياناً حمل عنوان: من المسؤول، اتهموا فيه أقرانهم من «أهالي تعلبايا» الموالين لتيار المعارضة بافتعال المشاكل والقلاقل. واتهم البيان القوى الأمنية بالوقوف على الحياد، وفي جانب آخر منه كان الاتهام واضحاً للأجهزة الأمنية بالانحياز إلى الطرف الآخر الذي ردّ ببيان مفصّل، حمل أيضاً توقيع أهالي تعلبايا، تحدث عن الإشكالات الأمنية الأخيرة ودور «الطرف الموالي» في افتعال هذه التوترات التي لا تنسجم مع مساعي المصالحات التي تجرى في لبنان.





