أيّام الحريري الشماليّة: عندما تنكسر الأحاديّة في المبادرة والقرار

إبراهيم الأمين
برغم أن غالبية القوى والفعاليات الشمالية تميل فعلاً الى توافق وتفاهمات تمنع الاقتتال المسلح وسيلة في الخلافات السياسية، يبدو الحذر جدياً لدى القوى الاساسية المعنية بمثل هذا التفاهم، أو هذه المصالحة التي يفترض أن تتم في اللقاء المفترض عقده في دارة أو مكتب مفتي الشمال الشيخ مالك الشعار بحضور كل الفعاليات بدون استثناء، وتذاع خلاله وثيقة أعدت مسوّدتها وهي الآن محل مناقشة بين المعنيين. ومع أن هذه الوثيقة تتضمن مواقف وثوابت تظل في الإطار العام من دون أساس توافقي يحميها ويجعلها منطلقاً لإدارة العلاقات السياسية بين المتخاصمين، إلا أن نوع الكلام الذي تبادله المتخاصمون خلال لقاءات اليومين الماضيين للنائب سعد الحريري في الشمال، دل هو الآخر على وجود استعداد للتصالح خشية من الأسوأ، لكن لا أحد يجزم بأن هناك قراءة مختلفة أو مراجعة للمرحلة الماضية، ما يبقي الحذر قائماً كما يبقي الاستنفار قائماً أيضاً، لكن أي تغيير على الأرض يلبي قرارات المجلس الأعلى للدفاع لناحية إطلاق يد الجيش في مواجهة المجموعات المسلحة، فهو سوف يعطي كل كلام تصالحي وكل وثيقة توافقية المعنى الفعلي ويمدها بالعمر المديد.
وجوه الحاضرين في لقاءات النائب سعد الحريري والحشود التي تتجمع على عجل من حول مقر إقامته، والاتصالات المتكررة لدعوة هذه الشخصية أو هذه الجمعية أو هذه العائلة والحماسة التي يلاقيها الرجل في خطبه، كل ذلك يشير الى حقيقة تبدل الوضع هناك، ومع أن خصوم الحريري ورجالاً في طرابلس والشمال لم يخرجوا الى حملة معاكسة له، فذلك من حظوظه، بعد التراجع النوعي الذي أصاب قوته ونفوذه، من دون إغفال أنها لا تزال القوة الأبرز في تلك المنطقة، وحيث لا يزال تيار المستقبل يتقدم الآخرين بنقاط عدة، لكن النقاط التي خسرها خلال عامين ونصف، تقود الى بعض النتائج التي ظهرت في زيارات الحريري ولقاءاته:
1 ـــ لم يكن رئيس «المستقبل» يجد في وقت سابق ما يدفعه الى الإقرار بشركاء حقيقيين في إدارة الملف السياسي ـــــ الشعبي لعاصمة الشمال وقاعدتها السنية على وجه الخصوص، وهو تصرف بهذ الفوقية في الانتخابات الماضية، وما تلاها من استحقاقات بما في ذلك طريقة تأليف الحكومة الاولى، وهو كان يفاخر بأن له الثقل الذي يجعل الآخرين يخطبون ودّه وليس العكس.
2 ـــ لم يكن الحريري الشاب قد تعرف كفاية إلى الفريق السياسي ـــــ النيابي ـــــ الخدماتي الذي واكبه في تلك المنطقة بعد اغتيال والده. وهو اتكل، كما آخرون في تياره، على أن قوته كافية لرفع جميع من حوله، ولكن النتيجة كانت أنه مضطر لأن يظل رافضاً لغالبية هؤلاء حتى اللحظة.
3 ـــ لم يكن للقيادي الشاب الخبرة الكافية للتمييز بين النفوذ وبين الاستمرارية والنمو على الصعيد الشعبي، علماً بأن زيارته الى الشمال عشية الاحتفال بالذكرى السنوية لاستشهاد والده، أعطته الإشارات الأولى إلى النقمة الموجودة. ثم توالت الرسائل من خلال عمليات انشقاق في صفوف مناصرين على خلفية تجاذبات داخلية أو خصومات مع القيادات الممثلة له. وربما جاءت حادثة إطلاق النار امس على سيارة تابعة للنائب أحمد فتفت لتعكس جانباً من هذه الخلافات وما تركته من تأثيرات.
4 ـــ إقرار الحريري الضمني، ولو غير المعلن، بتنامي قوة خصومه على اختلاف مواقعهم واتجاهاتهم، بما في ذلك من هو في موقع الحليف له، من تيارات مدنية ودينية وحتى سلفية متشددة، وقد أظهرت إحصاءات واستطلاعات للرأي، تقدم الرئيس نجيب ميقاتي الذي يحسن الوصول الى قواعد الحريري نفسه، وإعادة تموضع الرئيس عمر كرامي واستفادته من تقدمه نحو المبادرة والتأثير الإيجابي لتحوّله أخيراً الى محور اتصالات ذات بعد إقليمي، لطالما كانت حكراً على الحريري نفسه. وإذا كان الحريري ينازع الوزير محمد الصفدي على قواعده، فذلك يعود اصلاً الى التردد الذي تتسم به حركة الصفدي ومواقفه طيلة الفترة السابقة، وشعور أنصاره وتصورهم بأنه يتنازل بطريقة لا تتناسب وموقعه حتى إنه بدأ يخسر كتلته نفسها، وليس ما يقوم به النائب محمد كبارة إلا الدليل الأبرز.
5 ـــــ تعرّض الحريري لضغوط من جانب قوى محلية وإقليمية بشأن «تفريطه» بما أُعطي قبل أعوام، ولأنه استسهل اللجوء الى خيارات حسب أنها تفيد في إثارة ذعر الآخرين مثل التعاون المفتوح مع مجموعات إسلامية تلقت منه الدعم المادي والتسليحي قبل أحداث أيار الماضي وبعدها. وربما كانت الملاحظة المصرية عمّا سمّاه وزير خارجية مصر أحمد أبو الغيط «مخاطر هذا الخيار المجنون» أقوى بكثير من الكلام الذي قاله الرئيس السوري بشار الأسد عن واقع الشمال، والذي رأى الحريري فيه تهديداً مباشراً.
وبحسب ما هو معلوم، فإن الحريري ربما تلقى خلال أيامه الشمالية، ما يكفي من الرسائل بأنه لم يعد في موقع الحاضن للجميع، وأنه لا يزال يحتل الموقع الأول، لكن هناك شركاء يقدرون على الحل والربط أيضاً، ولذلك فإن تولّي مفتي الشمال إدارة الاتصالات ورعاية التفاهمات، لا يعكس الاحترام الذي تكنّه قوى كثيرة لهذا الرجل، بل لأن في طرابلس والشمال من صار قادراً على اعتبار الشيخ الشعار راعياً للمصالحة، ممراً إجبارياً، حقيقياً لا مصطنعاً...


عدد الاثنين ٨ أيلول ٢٠٠٨