برّي: لا أحد يمكنه احتكار أيّ بقعة من لبنان

الرئيس نبيه بري خلال الاحتفال (كامل جابر)الرئيس نبيه بري خلال الاحتفال (كامل جابر)
■ إخفاء الإمام الصدر مسؤوليّة القذافي الشخصيّة
■ حركة للأسلحة والعتاد الحربي تتدفّق على الشمال
■ ما من شعب حرر أرضه إلا بمؤازرة صديق أو حليف

في الذكرى الـ30 لإخفاء الإمام موسى الصدر، شنّ الرئيس نبيه بري هجوماً عنيفاً على الرئيس الليبي معمّر القذافي. كما حذّر من التهديدات الإسرائيليّة والإرهاب واللعب بالنار في الشمال، داعياً إلى تأليف هيئة وطنيّة تعمل على تحديد مفهوم موحّد للوطن والمواطن والمواطنيّة
أحيت أمس حركة أمل الذكرى الثلاثين لإخفاء رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الإمام موسى الصدر ورفيقيه: الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدر الدين، في 13 آب 1978 في ليبيا، باحتفال شعبي حاشد أقيم في مدينة النبطية.
ويأتي هذا الاحتفال بعد طلب الإعدام الذي أقرّه القضاء اللبناني بحق الرئيس الليبي معمر القذافي وعدد من معاونيه بتهمة التحريض على إخفاء الصدر ورفيقيه.
واقتصرت الكلمات فيه، للمرة الأولى، على كلمة واحدة لرئيس مجلس النواب ـــ رئيس حركة أمل نبيه بري، امتدت لأكثر من ساعة، وحملت الكثير من الرسائل المحلية والإقليمية والدولية.
ودون أن يصافح الوفود الحاضرة، مثلما جرت العادة، ظهر الرئيس بري على المنصّة من فتحة في الستارة الخلفية، ليستقرّ على منبر مجهّز بزجاج واقٍ من الرصاص.
وبدأ بري كلمته كالعادة بعبارت موجّهة إلى الإمام الصدر. ثمّ انتقل إلى المسار القضائي لجريمة الإخفاء ليعلن: «أننا أسقطنا آخر محاولة ليبية لطمس القضية قضائياً عبر إحدى المحاكم الإيطالية، لتبرئة نظام الغدر في ليبيا من جريمة اختطافه، وقد بانت معالمها أخيراً»، معتبراً أن «محكمة شعب موسى الصدر قد حكمت بإخفائه ورفيقيه أثناء زيارة رسمية إلى طرابلس، وهذا الحكم المبرم غير قابل للجدل أو التفاوض وباعتراف القذافي نفسه عام 2005».
وأثنى على العدالة اللبنانية، قائلاً: «لا يخشى على لبنان ما دام هناك قاضٍ ولو واحد يتمتع بالنزاهة»، ومؤكداً أنها «تحركت بقوة منذ موعد لقائنا العام الماضي إلى اليوم، وهي لن تألو جهداً في ممارسة دورها على هذا الصعيد وقد حققت تقدماً في تحديد المسؤوليات وفي عمليات الاختطاف والإخفاء».
وخاطب برّي القذافي قائلاً: «إن إخفاء الإمام الصدر ورفيقيه مسؤوليتكم الشخصية»، والمطلوب واحد: «إماطة اللثام وكشف الحقائق في هذه القضية». وأردف: «سنتابع القضية وستكون هناك أيام مشهودة فيها».

لا تناموا على حرير

وعلى المستوى المحلي، قدم بري «جردة حساب» مذكّراً بأن حركة أمل كان لها «الفضل الكبير في قطع الطريق على الفتن والتوترات وإيصال لبنان عبر مختلف مبادراتنا الحوارية والوفاقية إلى ميناء الأمان»، شاكراً «قطر على الاتفاق الذي فتح الباب على قيامة لبنان بدءاً بانتخاب رئيس للجمهورية، إلى عودة المؤسسات لتحمل مسؤولياتها».
ورأى أنه «خلال السنتين الماضيتين لعبنا دور الفادي وتحمّلنا «ثلثي القتلة»، ولم نسلم حتى من بعض المعارضة، في وقت كانت فيه الأكثرية تضربنا على الخدّين: الأيمن والأيسر، وهكذا تحملنا كل الوجع والكلام المرّ والاتهامات، ولم نرفع بيدنا سوى الدستور، ولم نسلم من هنا ولا من هناك، وكنا «لا مع ستي بخير تقريباً ولا مع جدي بخير».
وأضاف بري: «الآن، وفي هذه اللحظة السياسية، أقول للبنانيين: لا تناموا على حرير، بل ناموا بعين مفتوحة، واسمحوا لي بأن أصارحكم بأن إسرائيل والإرهاب، وهما وجهان لعملة واحدة، يريدان النيل من لبنان ومن نظامه الأمني ومن قطاعاته المتنوعة، وخصوصاً السياحية والمصرفية والاستثمارات والتدفقات المالية التي تستعد للتوجه إلى لبنان»، مبدياً خشيته «مما يحصل على حدود الوطن وعلى حدود المجتمع».
ودعا إلى «أخذ مختلف التهديدات الإسرائيلية على محمل الجد والحذر والانتباه ممّا تروّج له وزارة الحرب الإسرائيلية بشخص وزيرها ورئيس أركانها حول حركة منظومات أسلحة للدفاع الجوي وغيرها عبر الحدود إلى المقاومة في لبنان، وخصوصاً أن ذلك ترافق مع مناورات عسكرية».
وعن المقاومة ودورها، رأى بري أنها «كانت ولا تزال وستبقى حاجة وضرورة لبنانية لأننا إزاء إسرائيل التي جعلت من لبنان على الدوام حقل رماية بالذخيرة». مشدداً على أنها «كانت نتيجة تقاعس من الدولة، فترك الجنوب وكل لبنان دون دفاع. والعرب أيضاً تقاعسوا عن الوفاء بالتزاماتهم تجاه لبنان».
ورأى أن إخفاق «الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف عام 2006 في القضاء على المقاومة، وإسقاط نظرية الردع الإسرائيلية، أدى إلى إطلاق مخطط الفوضى البنّاءة عبر مشاريع الفتنة الطائفية والمذهبية وإثارة التوترات الطيارة بهدف التضييق على المقاومة وإضعافها، وإيجاد الشرخ بينها وبين الدولة وشعبها»، معتبراً أن الحل «هو بالدولة التي تقوم على شعار الوحدة الوطنية، والتي تتبنّى فعلاً كل أهداف التحرير التي وردت في البيان الوزاري والتي هي أهداف المقاومة».
وفي شأن عمل المقاومة، اقترح إنشاء «لجنة بين الجيش والمقاومة لمتابعة الأمور الميدانية وتنسيق الخطوات، بما يحفظ السيادة ويؤمن تحرير الأرض والحقوق سواء بالدبلوماسية أو بالمقاومة تماماً».
وتوجه إلى الإسرائيليين بالقول: «إذا كنتم خائفين من الصواريخ أن تأتي إلى حزب الله، فالأمر بسيط، أوقفوا طائراتكم وخرقها لأجوائنا. أما أن تتكرر طلعاتكم «فهذه قسمة ضيزى»، منبّهاً من «أي تحدّ قد تفرضه إسرائيل على حدود الوطن لتحويل الانتباه عن صراع الذئاب في كاديما والليكود والعمل»، وكذلك من سعي «إسرائيل إلى تغيير مهمة قوات الطوارئ الدولية وقواعد الاشتباك التي تلتزم بها وهي تريد إما تحويل اليونيفيل إلى حراس لحدودها أو تطيير القرار الدولي 1701».
ودافع عن إيران ودعمها للمقاومة، معتبراً أنه «لم يحصل في التاريخ أن شعباً استطاع أن يحرر أرضه من غاصب محتل إلا تلقى مؤازرة من صديق أو حليف»، شاكراً كل «بلد ساعد ويساعد في التحرير». وسأل: «لماذا لم تُعطَ الدولة اللبنانية والجيش إمكانات التحرير؟ بل لماذا لا تعطى إمكانات الدفاع؟ ولماذا يجب أن تمر الطلبية على إسرائيل وبرضاها قبل أن تصل إلى لبنان، وبالتالي لا يصل إلا ما يشعل الداخل ويطفئ جذوة التحرير؟».

نحو تأليف هيئة وطنيّة

وجدد بري التحذير «من العودة إلى خلق عصبيات طائفية أو مذهبية مسلحة، عبر التوترات الطيارة المتنقلة من بيروت إلى البقاع الغربي، إلى محاولة جعل الشمال، وخصوصاً طرابلس، ساحة لتصفية الحسابات المحلية الطائفية أو المذهبية أو السياسية وكذلك ساحة لتصفية السياسات الإقليمية».
وأضاف: «إننا نعرف حجم الأموال التي تدفع ذات اليمين وذات الشمال، ونعرف كما يعرف الجميع، أن هناك حركة للأسلحة والعتاد الحربي تتدفق على شوارع وأحياء الشمال، كما باتجاه ميليشيات في غير منطقة لبنانية»، داعياً «الشماليين من كل القوى إلى عدم تفويت الفرصة» للحل، ولافتاً إلى أنه في «تلك الحروب الصغيرة لا أحد يمثل المعارضة ولا أحد يمثل الموالاة أو الاكثرية، إنما هي حرب بين الفقراء».
وقال: «لا أحد، لا طائفة ولا مذهب ولا فئة يمكنها احتكار أي بقعة جغرافية في لبنان»، كذلك «لا أحد يمكنه احتكار الحدود أو مسألة الحرب أو السلم أو المقاومة، أو احتكار العاصمة أو أي مدينة وتطويبها وجعلها منزوعة من المواطنين الذين لا ينتمون إلى الأكثرية فيها». وذكّر بالتغيرات الديموغرافية التي طالت العديد من المناطق من «طرابلس إلى أعالي جبل لبنان، إلى بيروت إلى البقاع وجزين وغيرها» والتي «غيّرت عبر مراحل تاريخية لبوسها الطائفي أو المذهبي لأسباب تتعلق بأمن الناس وحياتهم، وما شهدوه من الأطماع الهادفة إلى محاولة توسيع جغرافيا الإمارات». وشدد على أنه «بات واجباً علينا ان نرحم ذاكرة اللبنانيين، إذا لم نقل نعيد بناءها لحساب لبنان ـــ الفكرة والرسالة، الذي يمثل ضرورة لبنانية أولاً وحاجة عربية ثانياً، وثالثاً نموذجاً دولياً للتعايش».
ودعا إلى «تأليف هيئة وطنية تعمل على تحديد مفهوم موحد للوطن والمواطن والمواطنية والعاصمة والحدود»، جازماً بأن «إنجاز مثل هذه المهمة يمثل معجزة لبنانية شبيهة باتفاقي الطائف والدوحة معاً، لأنها تزيل كل شك أو قلق أو اضطراب في عملية بناء ثقة المواطنين بعضهم ببعض وببناء ثقة المواطنين بالدولة». ورأى أن يوكل إلى هذه الهيئة «درس السبل الآيلة إلى إلغاء الطائفية السياسية التي نص عليها اتفاق الطائف وهي طبعاً غير الهيئة الوطنية التي نص عليها الاتفاق».
وعرّج على المسألة الاقتصادية ــــ الاجتماعية، منبّهاً «إلى أن عدد اللبنانيين الذين يقعون تحت خط الفقر آخذ بالارتفاع، وأن مساحات المناطق المحرومة آخذة بالاتساع»، وحذّر من «أزمة كبرى ناتجة من عدم قدرة الشريحة الكبرى من المواطنين، وخصوصاً في المناطق الجبلية من الحصول على وسائل تدفئة سواء عبر المشتقات النفطية، أو حتى شراء الحطب والفحم الذي هو في الغالب ثمرة كبرى للاعتداءات على الثروات الحرجية».
وإذ أعلن أنه ليس «من مؤيدي الخصخصة» سأل: «لماذا تتأخر خصخصة قطاع الكهرباء ما دامت الدولة تثبت يوماً بعد يوم أنها منتج فاشل للكهرباء، وما دامت شركة كهرباء لبنان تواصل استنزاف موارد الدولة».
وتطرق بري إلى ما يجري في فلسطين، فناشد «الشعب الفلسطيني باسم كل لبنان الذي لا يزال الساحة الأكثر أماناً لقضيتكم، وباسم الجنوب الذي يقف عند حدود التاريخ والجغرافيا مع أمانيكم، وباسم كل اللاجئين والمخيمات، أن تنتصروا لأنفسكم ولوحدة إرادتكم التي يجب أن تعود إلى الانبعاث». معتبراً أن «فتح وحماس هما وجهان لقضية فلسطين الواحدة، وأنه يحز في النفس هذا الصراع المبكر على السلطة، وإن بقيتم هكذا يصح القول بأن تظل إسرائيل إلى الأبد، حبلى بالدولة الفلسطينية التي لن تولد أبداً للوحدة والتوحد».
وختم بالتوجه ــــ كما بدأ ــــ إلى صاحب الذكرى، فقال: «لن نكلّ أو نتعب أو ننسى، ولن تنتابنا الظنون والهواجس أو ننحني في الصمت أو يضيّعنا خرس النظام العربي والإسلامي والدولي عن محنة اختطافك التي طالت ثلاثين عاماً، ولن نسلّم قلوبنا للأسى والمرارة، بل إننا على عهدك بنا سنسمو فيك ونقترف جرائم الوفاء والشجاعة والصدق والحقيقة والوطنية والمواطنية، ولن نكون إلا كما أردت: لبنانيين مسكونين بالتعايش، عرباً مسكونين بالعزة، مسلمين مسكونين بالوحدة، سنة وشيعة، مسكونين بالتمرد على الظلم ومقاومة الشر المطلق إسرائيل، وسنبقى دائماً مجنّدين لمقاومة العدوان ورفع الحرمان من لبنان».



الحضور الرسمي

حضر الذكرى الـ30 لإخفاء الإمام موسى الصدر حشد من الرسميين تقدمهم رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أعلن أنّ رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان كلّفه تمثيله في الاحتفال. ومثّل الوزيرُ خالد قباني رئيسَ الحكومة فؤاد السنيورة، ونائبُ رئيس الحكومة اللواء عصام أبو جمرا العماد ميشال عون، ووزير العمل محمد فنيش الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.
كما حضر النائب جمال الجراح ممثلاً رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الدين الحريري، والنائب أيمن شقير ممثلاً الحزب التقدمي الاشتراكي، وأحمد الحريري ممثلاً الوزيرة بهية الحريري، إضافة إلى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، والوزراء: فوزي صلوخ، علي قانصو، غازي زعيتر، محمد خليفة وزياد بارود، ووفود شعبية ورسمية وعسكرية.

الجيش دائماً على حق

رأى عضو تكتل التغيير والإصلاح، النائب سليم عون، أن «الجيش اللبناني بالنسبة إلينا هو خط أحمر، ونحن معه بالمطلق، وفي أي نقطة على الأراضي اللبنانية، وفي أي حادث». أضاف: «الجيش دائماً على حق، ونحن معه حتى ضد أنفسنا، ولسنا نحن من نُسأل عن موقفنا منه».
وشدد عون على ضرورة التوصل إلى نتيجة في التحقيق بحادث المروحية .

السيادة لا تزال منقوصة

رأى منسّق اللجنة المركزية في حزب الكتائب، سامي الجميّل، أن «السيادة ما زالت بعيدة في ظل وجود سلاح فلسطيني، وبين أيدي لبنانيين يمنعون السلطات اللبنانية من فرض النظام على كامل الأراضي اللبنانية».
وأشار إلى أنه «لا شيء يبرر وجود السلاح في غير يد الجيش اللبناني».


عدد الاثنين ١ أيلول ٢٠٠٨ | شارك