خوجة مستطلِعاً تدعيم النفوذ انطلاقاً من الشمال
طرابلس ـ عبد الكافي الصمد
خوجة متوسطاً المولوي والشهّال والشعّارما كادت تمضي 48 ساعة على كلام الرئيس عمر كرامي، وإشارته بعد لقائه وزير الصحة محمد جواد خليفة إلى أنه «نتطلع إلى مصالحة بين المملكة العربية السعودية وسوريا من أجل مساعدة لبنان»، حتى كان السفير السعودي في لبنان عبد العزيز خوجة يحطّ رحاله في عاصمة الشمال، في زيارة نادراً ما يقوم بها سفير المملكة إلى طرابلس.
وكان واضحاً، بحسب مصادر شمالية متابعة، أن زيارة السفير خوجة إلى طرابلس لا تأتي في إطار استجابته لدعوة كرامي. فتلك مهمة ليست له، وتتجاوز دوره وصلاحياته. إذ أجاب رداً على سؤال عن كلام كرامي بقوله إن الأخير «عنده رأي وأفق واسع. أما بالنسبة إلى العلاقة بين المملكة وسوريا، فهذا أمر تحدده القيادة في البلدين».
ولفت هذه المصادر في كلام خوجة أنه جاء إلى طرابلس موفداً من الملك عبد الله بن عبد العزيز، من غير أن يوضح طبيعة المهمة الاستثنائية التي أُرسل من أجلها، وهي ليست لتقديم التعازي كما حاول الإيحاء. لكن كون الذين التقى بهم في منزل مفتي طرابلس والشمال، الشيخ مالك الشعار، من لون سياسي واحد، وإشارته بعد اللقاء إلى أنه «اطّلعت منهم على كثير من المعلومات»، أعطيا دلالة على أن هذه المهمة ليست اقتصادية أو إنمائية لأنه لم يتحدث عن أي شيء من هذا القبيل، وهي ليست للتوسّط في نزاع بين متخاصمين لأنه لم يزر أيّاً من شخصيات الفريق السياسي المقابل أو يتصل به. كما أن زيارته العاجلة إلى طرابلس بهذا الشكل أعطت انطباعاً بأن لدى خوجة ما يجب عليه قوله بسرعة لمن التقى بهم، وأن الأمر لا يحتمل انتظار زيارتهم إلى السفارة السعودية لإبلاغهم بذلك
تباعاً.
لكن زيارة خوجة الطرابلسية أثارت أكثر من ريبة لدى البعض، ومخاوف من أن تكون إشارة إلى تأزّم إضافي طرأ على ملف العلاقات السعودية ــــ السورية، عدا عن وجود إحساس بأن المملكة تحاول تحصين ساحة نفوذها في لبنان وتدعيمها، ما استدعى نزول خوجة بنفسه إلى الميدان، وتحديداً بعد الضجة التي أحدثتها وثيقة التفاهم التي وقّعت بين حزب الله وقوى سلفية الأسبوع الماضي، ومن ثم تجميدها إثر خلافات نشبت داخل الصف السلفي في شأنها، وهو ما جعل التلويح بورقة السلفيين واستخدامهم فزّاعة للآخرين داخل الطائفة السنّية وخارجها تسقط (كان لافتاً غياب الدكتور حسن الشهال عن لقاء خوجة، بينما حضره الشيخ داعي الإسلام الشهال وآخرون من وجوه التيار السلفي والإسلامي في طرابلس)، فكان اللجوء إلى اعتماد بدائل أخرى تمثّلت في الحركة الاستعراضية المسلّحة التي قام بها منشقّون عن جبهة العمل الإسلامي برئاسة سيف الدين الحسامي، وفي حركة الاحتجاجات التي شهدتها طرابلس في الأيام الأخيرة بسبب التقنين القاسي للتيار الكهربائي في معظم أحيائها، وتزامنها مع قيام شبّان بأعمال شغب وتخريب ومحاولة إحداث فوضى عبر قطع طرقات داخل المدينة، والتي تبيّن لاحقاً أن أكثرية منفذّيها هم مناصرون لتيار المستقبل وللنائبين محمد كبارة ومصباح الأحدب، فضلاً عن شائعات تنتشر في طرابلس كالنار في الهشيم، تتحدث عن عمليات تسليح وتدريب قائمة على قدم وساق، وأن ساحة المعارك المقبلة لن تقتصر على محور باب التبانة ــــ جبل محسن فقط، بل إنها ستمتد فوضوياً إلى مناطق أخرى.
في ظلّ هذه الأجواء المشحونة جاء كلام المفتي الشعار أمام خوجة والحاضرين، وهو كلام بدا كأنه يشبه السير على حدّ السكين، عدا عن أنه غير مسبوق في لغة الشعار ومفرداته تجاه مختلف القضايا التي جعلت منه موضع إجماع معظم الفاعليات والقوى السياسية في طرابلس.
وكان الشعار قد أشار في كلمته، التي توجه بها إلى خوجة، إلى «أننا نقاوم معركة الوجود السنّي ــــ الإسلامي، وهويتنا العربية مهددة بالأفول، ووجودنا في لبنان هويته مهددة»، لافتاً إلى «الحرب والكيد الذي يعدّ له، لأن مثلكم يعيشه ويستوعبه، ويعمل من أجل عدم تمكنه، لكن ذلك يحتاج إلى جهد متكامل وعين ساهرة. وأريد أن ألفت النظر إلى قضية ذات أهمية كبرى، فكلّ السنّة في المنطقة يشعرون بسند بوجود مملكتكم، وكلّ السنّة في المنطقة يشعرون بأن طرابلس سند لهم، ولا قدّر الله إذا كسرت شوكة المدينة، فذلك ينذر بزلزال كبير للوجود السنّي في لبنان والمنطقة المجاورة، كما أن العرب والمسلمين يشعرون بسند دائم، فهم محضونون عبر المملكة، وكلّ المسلمين يرون أن طرابلس هي الصمود. لذلك تتكرّر محاولات الفتنة في المدينة كي تجرّ إلى معركة وتعمّ الفوضى، وإذا عمّت الفوضى فلن تتوقف في طرابلس، وستكون النهاية هي التي يعمل لها الآخرون من أجل طائف جديد، تختل فيه التوازنات السياسية في لبنان. فبدل أن يقوم لبنان على قاعدة ثنائية مسيحية ــــ إسلامية، يفرضون علينا قاعدة جديدة ونظرية خطيرة، أن يقوم لبنان على المثالثة، وهي لا تجعل المسيحيين جميعاً في ثلث وكفى، بل تجعل الهيمنة على القرار السياسي في لبنان لمفتعلي الأزمة»، منبّهاً من أن «إضعاف طرابلس إضعاف لكل لبنان، لأننا خزّان السنّة وسند المسلمين السنّة في سائر المنطقة».





