شروط الصفقة التاريخيّة مع سوريا
أنطوان سعد
يتطلع اللاعبون السياسيون بكثير من الاهتمام إلى القمة اللبنانية ـــــ السورية المرتقبة، كمفصل في علاقات البلدين. وليس في لبنان ـــــ الرئيس سليمان في المقدمة ـــــ مَن يجهل أن في متناول من يتربع على حكم سوريا، مهما تكن خلفيته السياسية أو الطائفية، القدرة على تسهيل أمر الحكم في لبنان أو تصعيبه.
لا شك أن أول ما تبادر إلى أذهان المخضرمين من الساسة اللبنانيين لدى إعلان الزيارة، اجتماع الخيمة الشهير بين الرئيسين فؤاد شهاب وجمال عبد الناصر في 25 آذار 1959، على الحدود بين البلدين. في هذا الاجتماع الأول والأخير بين الرجلين، اتُّفق على معادلة وفّرت الاستقرار الأمني والسياسي في لبنان لمدة تسع سنوات تقريباً. وقامت على تعهد لبناني بعدم الاندراج في سياق أحلاف معادية لمصر وبمراعاة سياساتها في العالم العربي مقابل ضبط الشارع الإسلامي الناصري في لبنان وإبقائه تحت جناح الحكم الشهابي.
حاول الرئيس إلياس سركيس في 31 آب 1976 إحياء هذه المعادلة أثناء زيارته لسوريا قبل ثلاثة وعشرين يوماً من بدء عهده دستورياً. غير أن أحلام الرئيس حافظ الأسد بالنسبة إلى لبنان كانت مختلفة عن أهداف عبد الناصر وتتجاوز إطار ضمان الموقف اللبناني إلى جانب مصر، لتبلغ حد القبض على جوهر النظام اللبناني، وإن تطلب الأمر تقويض مقوماته.
تكررت محاولات الرئيس سركيس لإحياء معادلة اجتماع الخيمة من دون جدوى. ولدى انقضاء السنة الثانية من عهده، كان انطباع الرجل الأقوى في عهده، فؤاد بطرس، وزير الخارجية والدفاع، رداً على سؤال الوزير السابق ميشال إده: «ماذا يريد السوريون؟» إنهم «يريدون كل شيء... والباقي أيضاً!».
كانت ذريعة القيادة السورية لتبرير محاولات فرض سيطرتهم على لبنان، أن الرئيس سركيس غير مقدام، وأن الجبهة اللبنانية متحالفة مع إسرائيل. بيد أن هذه الذريعة سقطت نهائياً في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، ولا سيما في عهد الرئيس السابق العماد إميل لحود الذي تشهد له سوريا بصدق تحالفه معها، إلى حد التمديد له غصباً عن السواد الأعظم من حلفائها. إذ رغم ارتياحهما واطمئنانهما التامين لعهده، لم يعط الرئيسان السوريان حافظ وبشار الأسد نظيرهما اللبناني قوة حقيقية لحكم لبنان، إلا بمقدار ما كان يتولى تنفيذ رغباتهما في تحجيم هذا الزعيم أو ذاك. ولم تطلق يده في التعيينات الوزارية والأمنية والإدارية ولا في تحديد اتجاهات الحياة السياسية اللبنانية في شقها الداخلي على الأقل.
رغم هذه التجارب التي لا توحي بكثير من التفاؤل، ثمة من يعتقد ـــــ الرئيس سليمان في المقدمة ـــــ أن هناك فرصة حقيقية لتحقيق «الصفقة التاريخية» بين لبنان وسوريا، ولا سيما في ضوء رغبة هذه الأخيرة في الانفتاح والخروج من العزلة الدولية وحركتها باتجاه فرنسا ومفاوضاتها غير المباشرة مع إسرائيل. ويصل تفاؤل البعض إلى حد الاقتناع بأن سوريا سوف تواصل خطواتها الإيجابية تجاه لبنان وتبادر إلى حل إشكاليات العلاقات الثنائية وترسيم الحدود وحل ملف المفقودين لمساعدة حلفائها على الفوز في الانتخابات. فإذا فازوا بها في الربيع المقبل، ازداد ارتياح دمشق، وإذا خسروا، فالخطط البديلة القائمة على «الخربطة» يمكن اللجوء إليها في كل وقت.
هذا من جهة لبنان، حيث بات الجميع مقتنعين بأنه لا مجال لمعاداة سوريا أو استفزازها، ولكن المشكلة لا تزال قائمة على الجانب الآخر من الحدود، وهي تتلخص بالإجابة عن سؤال يدور في خلد جميع اللبنانيين: هل يغيّر بشار الأسد من نظرة سوريا التقليدية تجاه لبنان؟».





