البيان الوزاري: أوراق اعتماد جديدة عند الغرب

إبراهيم الأمين
المعركة القائمة على البيان الوزاري لا تشي إلا بحقيقة واحدة، وهي أن «صقور» فريق 14 آذار، من الذين يعانون ضائقة حقيقية في التمثيل الشعبي والفاعلية السياسية، يسعون إلى تقديم أوراق اعتماد جديدة إلى المعتمد الأميركي، الذي أحبطه سلوكهم خلال السنوات القليلة الماضية، والذي أصيب بالخيبة مرّة تلو الأخرى، بسبب كثرة كلام هؤلاء، وقلّة فاعليتهم على الأرض، وخصوصاً أن أحداث أيار الماضي تعني بالنسبة للأميركيين شيئاً واحداً: خسر حلفاؤنا الأرض!
ومهما قال أركان فريق 14 آذار، أو بالغ النائب سعد الحريري ومجموعته في التوقف عند ما يسمّونه غزوة بيروت، فإن أي اختراق يريده هو في جدار الأزمة السياسية يتطلب الانتقال إلى مرحلة الحوار المباشر مع المقاومة، أما بقية الفريق فهم يتصرفون على أساس أن كل كلام سياسي يردّدونه الآن، سواء في مناقشات البيان الوزاري، أو مداخلات المجلس النيابي لاحقاً، أو في جلسات مجلس الوزراء، سيتحوّل إلى أصوات في الانتخابات النيابية المقبلة، وهم على اقتناع، مجهول المصدر والمستند، بأن الجمهور لا يريد منهم خبزاً ولا كهرباء ولا إصلاحاً اجتماعياً، بل يريد فقط معركة مع المقاومة. وهؤلاء ينكرون حقيقة أن أكثر من 57% من اللبنانيين يؤيّدون المقاومة، وأن أكثر من 80% من اللبنانيين لا يرون المشكلة في سلاح المقاومة الآن، وأنه إذا لجأ هؤلاء إلى استفتاء ما بقي من قواعدهم حول جدوى خوض معركة نزع سلاح المقاومة، فسوف تأتي الإجابات بـ«لا» قويّة، ليس محبّة بالمقاومة، وليس بالضرورة مهابة من سلاحها، بل لأن هذا الجمهور جرّب عقل أقطابه وعضلاتهم وكانت النتيجة مخيّبة للآمال، ولأن هذا الجمهور جرّب الدعم الغربي والعربي الذي انتهى كله في بيان استنكار لا يغيّر في الوقائع شيئاً.. حتى بات الجميع يشعر بأن حملة فريق السلطة داخل لجنة البيان الوزاري تشبه اللوحة الإعلانية للقوات اللبنانية التي تقول: هلق رجّعنا الحق لصحابو؟!
ومع ذلك، فإن فريق المعارضة مضطر لأن يتعامل بجدية مع طروحات 14 آذار، وإذا كانت لا تمثّل جديداً قياساً إلى ما يُعرف عن مواقفها، فإنها تمثل تجاوزاً لأساس التسوية التي انطلقت في الدوحة، واستكملت في تأليف الحكومة. ولذلك فإن المعارضة، التي أظهرت رغبة قوية في التسامح والمهادنة إزاء سياسات فريق 14 آذار الاقتصادية والاجتماعية، وإزاء علاقاتها الخارجية وطريقة إدارة البلاد سياسياً وأمنياً خلال الفترة الماضية، ستكون مضطرة لإظهار مراجعتها، الأمر الذي يهدّد عملياً كل البنود التي يعتقد الرئيس فؤاد السنيورة وفريقه أنها بديهية في أي بيان وزاري يصدر عن أي حكومة لبنانية. وهذه الحقيقة لاحت في الاجتماعين الأخيرين للجنة البيان الوزاري، وإن كان ثمّة مَن يشعر بأن فريق السلطة لم يعد يهتم لأي أمر سوى إقرار برامج الخصخصة وإهدار المال العام والضرب على بند المقاومة، بغية القول للغرب إنه لا يزال قادراً على القيام بشيء.
وإذ حاول فريق 14 آذار التلطّي خلف خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس ميشال سليمان أمام المجلس النيابي، فهو يفعل ذلك متجاهلاً الوقائع الأهم التي قام بها رئيس الجمهورية في ما خصّ ملفي المقاومة والعلاقات مع سوريا، إذ إنه بادر إلى إطلاق حوار يبدو أنه سيتعاظم مع الرئيس السوري بشار الأسد، وسيكون أمام مجلس الوزراء ما يفعله في هذا الشأن، كما أنه عندما أصرّ على أن يتولى القصر الجمهوري مراسم استقبال الأسرى المحررين في المطار، والخطاب الذي ألقاه في ذلك الاستقبال، إنما أعطى إشارة عملية عن وجهته في هذا السياق.
ولذلك، فإن فريق 14 آذار كان ينوي جعل خطاب القسم أساساً وحيداً حتى في العبارات عند الإشارة إلى المقاومة وسوريا، برغم أن الرئيس السنيورة وفريقه أغدقوا ما تيسّر من عبارات المديح والإطراء للمقاومة ومناضليها، لكن في سياق مَن يلقي خطاباً في حفل تسريح جنود، أو إقفال شركة أو مرفق، وهي عبارات سبق للسنيورة والنائب الحريري أن استخدماها قبل أيام قليلة في معرض تبرير إبعاد عدد من الحلفاء والمنتمين عن مقاعد الحكومة.. وهذا ما أعطى نتيجة عكسية، لأن الرئيس سليمان الذي يعرف مقاصد هذا الفريق الحقيقية، والذي كبت اعتراضه واحتجاجه على تأخير فريق السلطة لتأليف الحكومة، قد لا يعمد إلى السلوك ذاته في حال تكرار الأمر وتأخير إصدار البيان الوزاري، وهو يعرف تماماً أن مسألة ترتيب العلاقات مع سوريا ليست منفصلة عن بيان الحكومة ولا عن سلوكها، فكيف سيكون الأمر لو أنه يذهب إلى دمشق ويسبقه أو يلحق به بيان لحكومة وفريق لا يبدو أنه يريد العلاقة مع سوريا من أساسها؟!
أما الجانب الآخر، الذي يعبّر أكثر عن قصور هذا الفريق، فهو البعد الإقليمي لهذا البيان، المتعلق بالسلوك المرتقب من دول عربية بارزة مع لبنان بعد نيل الحكومة الجديدة الثقة وانطلاقة لجنة الحوار الوطني، إذ إن فريق السلطة ربما يريد من دول عربية عدة أن تواظب على سياسة التحريض والدفع نحو الفتن والمواجهات، وأن تقود من خلف ذلك حملة دبلوماسية عالمية ضد سوريا وإيران، بينما الوقائع الإقليمية والدولية في اتجاه آخر، برغم كل التحريض الإسرائيلي للولايات المتحدة لشن حرب مدمرة على إيران، وعلى سوريا ولبنان ضمناً... إلا إذا كان في فريق السلطة مَن لا يزال يراهن على وقائع من هذا النوع.. علماً بأن للجنون حدوداً!


عدد الجمعة ٢٥ تموز ٢٠٠٨