وليد رعد... سجل اختفاء

ضمير مستتر تقديره نحن في «غاليري صفير ــــ زملر»

«مجموعة أطلس 1989 ــ 2004» (تفصيل)«مجموعة أطلس 1989 ــ 2004» (تفصيل)
الفورة التي يشهدها لبنان، وتشهدها المنطقة (الخليج خصوصاً) في مجال الفنون الحديثة والمعاصرة، دفعت الفنّان الإشكالي وليد رعد إلى الانطلاق في مشروع بحثي ـــ توثيقي يحاول الإحاطة بتلك الظاهرة وخلفياتها وآفاقها المستقبليّة. النتيجة معرض تجهيزي أقل ما يقال فيه إنّه مفاجئ ومثير للنقاش

بيار أبي صعب
معرض وليد رعد في «غاليري صفير ــــ زملر» في الكرنتينا (بيروت)، يُقرأ من عنوانه: «تاريخ الفنّ العربي الحديث والمعاصر ــــ الجزء الأوّل ــــ الفصل الأوّل: بيروت 1992 ــــ 2005». أي أننا في بداية البداية، إذا صدقنا أن هذا المشروع قيد التطوّر والتواصل والتوسّع: مع وليد ينبغي أن تشكّوا في كل شيء! باختصار، نحن عند الخطوة الأولى من مشروع طويل النفس... لا أحد يعرف ملامحه، ولا إلى أين سيقودنا.
عن «المتاحف» (2008)عن «المتاحف» (2008)ربّما أمكن أن نفهم المرحلة التي يؤطّر بها وليد رعد محاولاته في الـ«تأريخ» للفنّ اللبناني، أو بالأحرى في الـ«تَحاور» معه. إنّها تختصر عمره الفني تقريباً، بين اتفاق الطائف واغتيال رفيق الحريري. 1992: تاريخ رسمي لانتهاء الحرب الأهليّة التي ولد الفنّان في أتونها، وصعود الأوهام الحريريّة بالبناء والازدهار والسلام الأهلي. و2005: تاريخ انهيار تلك الأوهام في لحظة مفجعة. بين التاريخين يرصد وليد رعد، من خلال أبحاث استقصائيّة وميدانيّة شتّى، أنماطاً من الإنتاج والتفكير والإبداع والتسويق والتلقّي والعرض والأرشفة والنقد تتعلّق بالفنّ اللبناني... ويستعيد محطات الذاكرة الفنيّة اللبنانيّة (مشروعه المقبل سيكون في الخليج) متسائلاً من أين يبدأ: من جيل فرّوخ وعمر الأنسي؟ ولمَ لا نعود أكثر إلى الوراء بحثاً عن الجذور؟
ليس مشروعه تأريخياً بالمعنى العلمي المتعارف عليه. إنّها عمليّة كتابة على الكتابة، أو بالأحرى محو المكتوب كشرط أوّلي لالتقاط الغائب والملغى والمهمّش والمنسي والمستتر... وخصوصاً «اللامرئي»: لأن الفضاء العام، والإطار الاجتماعي الثقافي الفكري السياسي الاقتصادي، لم يعد يسمح لنا برؤيته. لعبة مركّبة إذاً تنتمي إلى صلب «الفنّ المفهومي»، من خلال ستة أعمال تجهيزيّة، متعدد المستويات والمقاربات والمواد، كل منها تمرين مختلف على تقنيات المحو والاختفاء. يساجل وليد رعد مجايليه (وليد صادق)، يعيد الاشتغال على أعمالهم وأعماله، كما يُعمِل ممحاته السحريّة في عدد من الوثائق الأرشيفيّة، يحفّها ويعيد تقديمها وتأطيرها ومساءلتها، يتلاعب بها حتّى لا يكاد يبقى منها شيء، تصبح شفافة، افتراضيّة، مستترة، هلاميّة، لفرط الاختزال والاختصار والتكثيف والتصغير (في المقاسات)، والإخفاء، والمحو والتفريغ... ولكثرة الإحالات المعرفيّة والنقديّة والتاريخيّة إلى مراجع هي خارج حقل الرؤيا.
كل شيء يصبح هنا مادة للمحو والتأمّل والمساءلة، تقديم كومسير الجناح اللبناني في بينالي البندقيّة الأخير، اختفت كلماته باستثناء حروف الـ (i) والـ (t) التي تركت في مواقعها من الجمل المفرّغة، وكبّرت على لوحين أحمرين. لوغو وزارة الثقافة الصغير ضائع في وسط لوحة أخرى عملاقة على خلفيّة قاتمة. قائمة بأسماء المراجع والفنانين الشباب صارت من بعيد أشبه بمؤشرات أجهزة الرصد التي تلتقط الذبذبات الجيولوجيّة أو نبض القلب. أسماء روّاد الفن التشكيلي رصفت بالأبيض على إفريز الفينيل الأبيض، فوق جدران المكعّب الأبيض. لا نكاد نراها، ولا نفهم منطق تسلسلها (زمني؟ أبجدي؟) ولا أخطاءها الإملائيّة. أرشيف كيرستن ادريس الذي يتضمّن كنوزاً من تاريخ الفن اللبناني، سُطّح على لوحتين متجاورتين واحدة للسلايدات وأخرى لشروحاتها... لكنها مجرّد بصمات وانطباعات وأطياف مصغّرة تُرى ولا تُرى. ماكيت المتحف الفيكتوري التقليدي بجدرانه وأرضيته وأبوابه ودهاليزه، ننحني للتلصّص عليها من فتحة منخفضة في الجدار الأبيض، في الغاليري المعاصرة الرحبة والعارية. والجدار الكلسي الأبيض الذي يكتب عليه وليد اسم معرضه، يريده عملاً فنياً. يطمح أن يبيعه كمساحة افتراضيّة لعمل ممكن، لمشروع محتمل.
أهم محطات المعرض شغل وليد رعد على شغله. معرض «مجموعة أطلس» عن تاريخ لبنان المعاصر، نجده هنا بمختلف مواده وعروضه وصوره الموزّعة على الصالات (السيارات المفخخة، العدوان الإسرائيلي، إلخ)، تماماً كما قدّم في ألمانيا. المعرض كلّه انتقل إلى بيروت، بأعمال الفيديو والمواد الصوتيّة والبصريّة، إنما بعدما تقلّص في مجسّم فائق التقنيّة والدقّة. ماكيت مصغّرة؟ نعم، «لم أكن قادراً على تقديم هذا المعرض في لبنان كما هو... الآن ربّما تقلّصت مواده، أم أننا كبرنا كثيراً عليه».
وهناك أخيراً عمله الذي يستند إلى عمل وليد صادق «الحبّ أعمى» (ضمن معرض Out Of Beirut ـــ أكسفورد، 2006). اشتغل صادق على استحالة رؤية أو عرض لوحات مصطفى فرّوخ، فقدمها غائبة، ترك لكلّ منها فراغاً على قياسه مع إشارة إلى العنوان والمواد والتاريخ والمقاسات وتفاصيل أخرى. أما رعد فاستحضر العمل «غيابياً» على جدارين وهميّين متعامدين، رسمتهما ريتا عضيمي بالرمادي على الجدار الحقيقي الأبيض. فوضع عليهما شروحات العرض الأصلي بعدما محاها فلم يبقَ سوى ظلالها. بين الوليدين مرجع من تاريخ الفنّ الحديث: روبرت روشنبرغ مشتغلاً على محو رسم لزميله دو كونينغ (1953).
أحدّق فلا أرى. يستحضر وليد رعد تنظيرات جلال توفيق. أثر الهزات والكوارث التي تعيشها منطقتنا، والتي تسهم باستمرار في المحو ومنع الرؤية. تماماً كما يستحيل على مصّاصي الدماء أن يجدوا صورتهم في المرآة... هكذا يعمل مؤسس Atlas Group. يخبئ ويخفي ويموّه (ويضلل) في الطريق إلى استعادة الذاكرة وطرح الأسئلة ـــ على المستوى العربي ــــ حول «كيفيّة فهم الثقافة» اليوم، «ولا سيّما الفنون البصريّة المعاصرة، وصناعتها وتوزيعها واستهلاكها». فصول من كتاب لم يكتب. معرض محتمل لم يتمّ، يترك الزائر متردداً بين انبهار واستنكار، إعجاب بالابتكار، وإحساس بأنه ضحيّة عمليّة نصب. هذا هو الخطاب الأساسي لوليد رعد الذي يتركنا معلّقين بحبال الحيرة. لكن من قال إن علينا تصديق وليد رعد؟



من الاثنين إلى السبت، بين الحادية عشرة والسادسة ـ حتى الثامن من ت2/ نوفمبر المقبل ــ«غاليري صفير ـ زملر» ـ الكرنتينا، بناية طنّوس: 961/1/566550
www.sfeir-semler.de


معرضه الفردي الأوّل في الشرق الأوسط...

طيف وليد رعد يعبر في المعرضطيف وليد رعد يعبر في المعرضإنّه معرضه الفردي الأوّل في لبنان... بل في الشرق الأوسط، يؤكد البيان الذي وزّع على الصحافة والجمهور. معرضه الأوّل؟ عجباً! كنّا نظنّ أننا تابعنا كل أعماله (في مدينة أخرى؟ في حياة أخرى؟ في المقالات والصور التي أنتجت عنها؟)... في حين إننا فعلاً لم نشاهد هنا في بيروت، سوى أعمال متفرّقة له في معارض جماعيّة، أو في بعض المطبوعات والمجلات الدوريّة، أو في عروضه الحيّة التي تتخذ غالباً شكل «المحاضرة».
وليد رعد شائعة، حالة أكثر منه فناناً. من علامات الجيل الذي أطلّ علينا أوائل التسعينيات من ركام المدينة التي تحاول أن تطوي صفحة الحرب، بأسئلته الحادة، ومفرداته الإبداعيّة التي تستعصي على التصنيفات القديمة. إنّه بؤرة أفكار تنكّرت على شكل أسئلة، وخدع بصريّة قُدّمت على أنّها صور، وتوليفات ذكيّة متقنة باتت أعمالاً فنيّة، وتجارب تحاول أن تتحايل على الواقع، وإعادات نظر تبدو من خارج السياق التقليدي، في حالة قطيعة، لكنها لا تلبث في نهاية الأمر أن تصبّ فيه.
هذا الفنان اللبناني ــــ العالمي يقف دائماً عند البدايات. لا نعرف سوى المرحلة الأولى من مشروع أرشفة صور السيارات المفخّخة في لبنان الذي بدأه مع «مجموعة أطلس» (مجموعة وهميّة ــــ حقيقيّة أسّسها رعد ثم وضعها بين قوسين). يخلط الأنواع الفنيّة، يموّه الحدود بين الوثيقة (الحقيقية) والإبداع (أي «الكذب»، بالمعنى الفللينيّ للكلمة)... يطلق مشاريع وموضاً وأشكالاً وقوالب، ثم يشتغل عليها حتى يستنفدها. في البداية تدهشنا اللعبة، نضيع في شعابها، تدعونا إلى التفكير والتأمّل، ومع الوقت والتجارب نرى بالعين المجرّدة الخيوط التي تحرّكها، فيضيع مفعول السحر. عندها يكون وليد قد انسحب إلى قواعده الخلفيّة (نيويورك، حيث يعيش ويدرّس)، وراح يخترع أشكالاً أخرى... سيفاجئ بها جمهوره المنتشر عبر العالم، في موسم مقبل.


عدد الخميس ٢٤ تموز ٢٠٠٨