حين يجرّ جنبلاط حلفاءه، أو يحرجهم
جان عزيز
محترفٌ وليد جنبلاط في جرّ حلفائه. وبعضهم يقول، في إحراجهم. وبعض خصومه وخصوم حلفائه يقول إن حرفته أكثر ما تتجلى وتبدع في إذلال حلفائه أنفسهم. منذ 8 أعوام، والحرفة الجنبلاطية تتفوق على ذاتها. في مثل هذه الأيام من عام 2001، تحرك بعض المسيحيين على خط بكركي ــــ المختارة. صارت «مصالحة الجبل»، كما سمّيت. بعد يومين انقض عليها سوريون ولبنانيون، انتهت المفاعيل عملياً. نجا جنبلاط من المحاولة، وسقط مسيحيّوها.
بعد أشهر قليلة، كرر المسيحيون أنفسهم المحاولة. عاد سيد المختارة نجماً مسيحياً بامتياز. فجأة توفي ألبير مخيبر، فوجد حلفاء جنبلاط أنفسهم في خصومة انتخابية معه. بلعوها، لكن بعد أيام، تحولت عداوة شاملة. ذهب بعضهم إلى مؤتمر لوس أنجلس في تموز 2002، فذهب هو إلى عدنان عضوم، طالباً منه توقيف اثنين على الأقل، من أقرب حلفائه.
مرّت العاصفة الجنبلاطية مرة ثانية، وعاد الغزل المسيحي حيالها، ودوماً من طرف واحد. بعد أشهر على قطوع لوس أنجلس، كانت محاولة ثالثة. في ذهن أصحابها من حلفائه المسيحيين، أنه في استطاعتهم جرّ جنبلاط إلى معركة السيادة، في المكان والزمان الذي يريدونه هم. وفي ذهن البيك، أن القاطرة الوحيدة العاملة في السياسة اللبنانية، معقودة قيادتها له دون سواه. مطلع عام 2003، وعلى قاعدة تباين الحسابات، جاؤوا بجنبلاط إلى جونية خطيباً أساسياً في حفل لحلفائه المسيحيين. كان هؤلاء في أجواء «محاسبة سوريا واستعادة السيادة اللبنانية»، فيما كان هو في جو احتلال العراق الآتي، والوقوف مع صدام حسين. فاجأهم ذاك المساء، حتى بدا كلامه صفعة في السياسي والشخصي منه.
بعد أسابيع، جرّهم جميعاً إلى العداء ضد واشنطن. أطلق كلامه الكبير ضد رايس وولفوفيتز، وأعلن تضامنه مع دمشق وبغداد. ومرة جديدة، ذهبوا معه كلهم إلى حريصا للصلاة كي لا ينجح جون أبي زيد اللبناني في إسقاط صدام حسين التكريتي. حتى بكركي مشت في القاطرة الجنبلاطية، فدوّنت في بيانها الشهري لآذار 2003 إشادتها بحكمة الرئيس السوري وبُعد نظره.
مرت الأيام الأخيرة من سنة العهد اللحودي الأخيرة ثقيلة. في ربيع 2004 كانت انتخابات بلدية، وكان جنبلاط فيها مساجلاً ضد إطلاق سمير جعجع، ومتضامناً مع عمر كرامي، شقيق رئيس الوزراء المغدور. بعدها تبدّلت الأجواء الدولية، فتبدّلت رياح المختارة جدياً. من التمديد لإميل لحود في 3 أيلول 2004 حتى 17 آذار 2005، صمد جنبلاط إلى جانب «مسيحييه». واجه السوريين. وقف وحيداً ليلة اغتيال رفيق الحريري في قريطم. اطمأن إلى القرار السوري بالانسحاب الكامل، كما أعلنه بشار الأسد في 5 آذار من ذلك العام. ثم بدأ البيك يعدّ للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، نيابياً ورئاسياً. بعد أقل من 72 ساعة على ثورة الأرز، ترك جنبلاط حلفاءه مجتمعين في قريطم، والتحق بحركة السفير الإيراني في باريس، مهندس التحالف الرباعي. ذهب إلى بنت جبيل نصيراً للمقاومة، حصد انتخابات بعبدا ــــ عاليه، وارتاح.
بين صيفي 2005 و2008، بدا جنبلاط صامداً أيضاً، إلى أن ظهرت ملامح التغيير الدولي مجدداً. قبل يومين، تذكر سيد المختارة السلاح الفلسطيني، ووقف مناجياً أرواح الفدائيين الذين سقطوا إلى جانب «قواته»، في كل منطقة ودسكرة وجبل شاهق من لبنان. كان معبّراً في تعداد الأماكن. كأنه بالمفردات العامة كان يقصد استذكار الدامور والعيشية وسوق الغرب وصنين. هناك سقط الفلسطينيون، من أجل «قضية حق»، كما قال جنبلاط. الفلسطينيون أنفسهم لم يجرؤوا على هذا الكلام، وخصوصاً بعد أكثر من عقد على اعتذاراتهم واعترافهم بالخطأ.
حلفاء جنبلاط، لم يفكّروا بالرد حتى. ربما لم يبلعوا الصدمة بعد. قبل أسبوعين، كانوا يقيمون الدنيا بذريعة وجود سلاح لبناني في صنين. اليوم جنبلاط يستعيد السلاح الفلسطيني في المكان نفسه.
محترفةٌ هي القاطرة الجنبلاطية. لكن خطورتها في عملية «الجرّ» الراهنة أنها تلعب الورقة الفلسطينية مجدداً، في مواجهة «السجن السوري الكبير». لذلك ربما تذكر الوليد والده مراراً في الأيام الماضية. فهل يتذكر حلفاؤه تلك المراحل؟




