«الفينيق» الرحباني سينبعث في بيبلوس...

منصور الرحبانيمنصور الرحبانيبعد أعمال عدّة استوحت التاريخ العربي، يعود منصور الرحباني إلى الشاطئ الكنعاني لمحاكاة الراهن السياسي. المسرحيّة الغنائيّة التي وضعها مع أسامة ومروان وغدي، تحكي عن ثوّار وقطاع طرق، وسياسيين يستجيرون بالخارج على خصومهم، وملك خائف على ملكه...

بيسان طي
هذا العام يعود منصور الرحباني إلى جبيل، يطل عليها من تاريخها. الفنان الذي شارك مع أخيه الراحل عاصي في صياغة الهوية اللبنانية في الخمسينيات والستينيات، يقدّم هذه المرة «عودة الفينيق» (من 19 حتى 24 آب/ أغسطس) الذي يحمل كل ما اعتدناه في أعماله: المسرح المُغنى، الإبهار في كل شيء، بدءاً من القصة، وصولاً إلى التقنيات والديكور والألحان والأزياء، والفنانين الأجانب الذين يُستعان بهم لتدريب راقصين أو تقنيين. العمل سيحمل أيضاً توقيع الابن الأصغر أسامة واضع الموسيقى والمشرف على إعداد المسرحية، فيما الإخراج لمروان الرحباني، وشارك غدي في التلحين والتوزيع.
«إنه نقد للتاريخ السياسي والاجتماعي الفينيقي» يقول أسامة، مشيراً إلى أنّ والده بدأ كتابة هذا العمل في ربيع 2006، «لكننا لم نقدمها لأسباب عائلية، ثم وقع العدوان الإسرائيلي على لبنان». الغرف من التاريخ صار ملازماً للمسرح الرحباني من «أيام سقراط» إلى «جبران» و«النبي» و«زنوبيا»... وبعدما وضعت مسرحيات عن التاريخ العربي، حان الوقت ربما لمعالجة مرحلة من تاريخ الشاطئ الكنعاني الذي امتد من فلسطين إلى المدن الساحلية اللبنانية والسورية.
لكن أي نقد يُوجَّه في المسرحية الجديدة؟ يشير أسامة إلى أنّ الفينيقيين لم يطوّروا المدينة ــــ الدولة، و«جبيل أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، كانت دائماً مطمع الغزاة». هكذا، يغمز العمل الجديد في قناة السياسة الحالية. يقول أسامة «كان هناك ثوار وقطاع طرق، وسياسيون يستعينون بالخارج للاستقواء على بعضهم، وملك خائف على ملكه... يحزنني أن شيئاً لم يتغير».
صحيح أن منصور الرحباني يستعين من جديد بالتاريخ، لكنّه «يعيد تأليف القصة دوماً»: فالبطل هو رب عدي ملك جبيل الواقع بين الإمبراطوريتين الحثية والفرعونية. وعندما يُسأل أسامة الرحباني عن الفروقات بين مسرح الأخوين رحباني القديم، والأعمال التي يقدمها والده حالياً، يقول «أعتقد أنّ البنية الدرامية بدأت تأخذ الأولوية. مع منصور، صارت المرأة في العمل ملموسةً، وصارت المسرحية تعتمد على شخصيّات متعدّدة».
لم تخرج الأعمال التي تحمل توقيع «الرحباني» من عباءة مسرح الأخوين رحباني الغنائي، حيث تلعب كل عناصر العمل دوراً مهماً من نحت وديكور إلى غناء وموسيقى وإضاءة، لكن أسامة يلفت إلى بعض التغييرات «السينوغرافيا جديدة منذ «وقام في اليوم الثالث»، والرقص أيضاً. صارت له علاقة بالباليه كلاسيك والباليه جاز، كما اختلف الغناء، وأسلوب تفكيرنا أو مقاربتنا للمواضيع التي نعالجها». من تلك العباءة أيضاً، يمكن لمتابع المسرحيات الرحبانية الجديدة أن يسجل الانحياز لمسرح يعتمد بشكل كبير على الإبهار، «مع عاصي ومنصور كان ثمة إبهار كثير على الخشبة. مع مروان صارت عملية الإبهار منسقة بشكل أكبر». وبهذا المعنى، فإن الرحابنة ما زالوا يقدمون مسرحاً يتطلب إنتاجه ميزانيات ضخمة، فقد زادت كلفة «زنوبيا» عن 34 ألف دولار في كل يوم عرض.
هذه المرة قرر أسامة أن «يلعب» أكثر، بما أنّ للقصة التاريخية أبعاداً آنية. إذ قرر أن تشارك الأزياء في عكس هذه الفكرة، لذلك «سترون فينيقيين في ثياب Fashion»، كما أنه يعد بموهبة متميزة ستطل في المسرحية، متحدثاً بحماسة عن فنانة جديدة اسمها هبة طوجي (طالبة مسرح في جامعة القديس يوسف) صاحبة الصوت الواعد. أما أبطال العمل فهم غسان صليبا وأنطوان كرباج ورفعت طربيه ورولا حمادة...
وماذا بعد؟ عندما تسدل الستارة في جبيل ويطلق الجمهور حكمه عليها، سيعود منصور إلى يومياته «إنه قارئ ممتاز، يقرأ ويكتب 17 ساعة يومياً، وتتنوع مطالعاته بين الديانات والفلسفة والشعر العربي والعامي والكتب الأجنبية والسياسية». أما أسامة فقد يتفرغ لمشروعيه الآخرين، الأول ألبوم مع هبة طوجي ستغني فيه قصائد عربية وأخرى من الريبرتوار العالمي، والمشروع الثاني مسرحية عن «دون كيشوت» بطل ثرفانتس يريده الرحباني الابن بصيغة لبنانية «لكنه مشروع مؤجل».