المهرجانات اللبنانيّة كيف تُموّل؟ وهل تسهم في التنمية؟

ناجي بازناجي بازخلف أضواء الإعلام وبريق الاستعراض والمشاغل الفنيّة، تختبئ آلة إنتاجيّة وتنظيميّة ضخمة هي التي تؤمّن لكل مهرجان شروط البقاء ووسائل الاستمرار. كيف تدار هذه المؤسسات؟ ومن يستفيد من الحركة الاقتصاديّة التي تخلقها؟

ليال حداد
لا يختلف وضع مهرجانات الصيف الدولية عن مجمل المشاريع الثقافية والفنية في لبنان. بعد سنوات على انطلاقتها، لا يزال دور الدولة في تمويل هذه التظاهرات شبه غائب، فيما يقوم تطوير معظم هذه المهرجانات على المبادرة الفردية للجان تلجأ إلى القطاع الخاص، بحثاً عن قروض أو مساعدات تمكّنها من الاستمرارية.
جوزيف شمالي من لجنة مهرجانات بعلبك، يوضح أنّ ثلث ميزانية المهرجان التي تبلغ مليوني دولار أميركي إجمالاً، من المفترض أن تقوم على مساعدة الدولة. وهو ما لم يحدث حتى الساعة: «أعطتنا الدولة 350 مليون ليرة لبنانية تعويضاً عن خسارتنا في عدوان تموز، ولكن هذا المبلغ لا يساوي 50 في المئة من الخسارة»، يقول شمالي.
وكان مرسوم صدر عن مجلس الوزراء يحدّد تمويل المهرجانات الدولية، فتقدّم كل لجنة ميزانيتها لديوان المحاسبة قبل الحصول على التمويل، كما يشرح شمالي. وهذا أيضاً لم يحدث بعد، ولم يستفد المهرجان من مساعدة الدولة.
مع مهرجانات «بيت الدين»، يبدو الوضع مشابهاً. وتشرح وفا صعب من لجنة المهرجانات أن دعم الدولة يأتي غالباً متأخراً بسبب الآلية المعتمدة من ديوان المحاسبة في التدقيق بالحسابات. ولم تتخطّ حتى اليوم مساعدات الدولة نسبة 18 في المئة، وهي نسبة متدنية جداً نسبة إلى ميزانية المهرجان التي تراوح بين 1.5 مليون و2.5 مليون دولار أميركي. وتقول صعب: «تحديد ميزانيتنا مرتبط بالظروف التي نمرّ بها وبالضيوف الذين يشاركون في المهرجان». وبينما تشتكي لجنتا «بعلبك» و«بيت الدين» من دور الدولة الهامشي، تشير رئيسة لجنة مهرجانات «بيبلوس» لطيفة اللقيس إلى أنّ مساهمة الدولة تمثّل واحداً من أربعة مصادر أساسية للتمويل من دون ذكر الأرقام والنسب. فببساطة، هذه أمور خاصة بالنسبة إلى اللقيس، «وبإمكان الصحافة أن تحصل على مصادر التمويل، لكن.... من دون الأرقام».
إضافة إلى مساهمة الدولة، يبقى للشركات الخاصة الدور الأساسي والحصة الأكبر من ميزانية المهرجانات، وخصوصاً أنّ اللجان تضطر غالباً إلى اللجوء إلى القروض المصرفية التي تترتّب عليها فوائد مرتفعة. «لا نجد سوى الشركاء والرعاة الذين يدعموننا ويساعدوننا في تسديد الفوائد»، تقول وفا صعب. وبين أبرز شركاء مهرجان «بيت الدين»: بنك «سوسييته جنرال» وبنك «المتوسّط» وشركة «ميد غلف» للتأمين. الصيغة نفسها تنطبق على مهرجانات «بعلبك»، ومن أبرز ممولي المهرجان: شركة cma cgm، مؤسسة الوليد بن طلال، و«الشركة العربيّة للتأمين». كما أنّ لكل فنان أو فرقة راعياً خاصاً أو أكثر. فمثلاً ترعى حفلة أستريد حداد لهذا العام قناة tv5 monde، أما حفلة عبد الرحمن باشا فيرعاها «البنك اللبناني الفرنسي» و«دار الهندسة». مسألة الدعم تختلف بالنسبة إلى «مهرجانات بيبلوس»: فإضافة إلى الشركات الخاصة، لا سيّما «بنك بيبلوس» وMTC ، تقف وراء المهرجان لجنة دعم خاصة به، وفيها أشخاص، يساعدون في التمويل، أبرزهم أنطوان شويري.
لكن ماذا عن مردود بيع البطاقات؟ يبقى الجواب على هذا السؤال نسبياً يرتبط بكل فنان، وبمدى إقبال الجمهور على حفلاته. «لعبة البطاقات» بتفاصيلها يشرحها لنا المنتج ناجي باز الذي يشرف على البرمجة الفنيّة لـ«بيبلوس»: «بإمكان البطاقات أن تعيد 5 في المئة من التكاليف، وبإمكانها أن تعيد 300 في المئة... الأمر مرتبط بإقبال الجمهور». يشرح باز ما يقوله بدقة، اكتسبها من خبرته في هذا المجال منذ سنوات: «نستقدم أحياناً فناناً أو فرقة بسعر مرتفع، ولا يكون تجاوب الجمهور كافياً، فتكون الخسارة كبيرة. وأحياناً العكس صحيح، ففنان غير معروف قد يعجب اللبنانيين». هكذا يعطي باز مثالين «متطرفين» ليوضح أنّ اللعبة الاقتصادية في المهرجانات غير ثابتة، وخصوصاً في بلد كلبنان: «هنا، نعرف كيف نبدأ، لكننا لا نعلم كيف ننتهي» يقول باز، مستذكراً بعض التجارب المأسويّة التي كانت خسارته فيها بمئات آلاف الدولارات. و«في بيت الدين»، يبدو أن الاتكال الأكبر هو على بيع البطاقات الذي تراوح نسبته بين 50 و70 في المئة من الميزانية، في حين لا تتجاوز نسبتها ثلث الميزانية في «بعلبك»، على ما يوضح شمالي.
إلا أنّ الحديث عن المهرجانات الصيفية والاقتصاد لا يقتصر على الميزانيات والتمويل، فأحد أبرز جوانب هذه التظاهرات الفنية والثقافية يتجلّى في تحريك العجلة الاقتصادية في كل من جبيل وبيت الدين وبعلبك والمناطق المجاورة. هنا، تستفيض اللقيس في إعطاء أرقام عن تعريف 40000 زائر بالمنطقة نتيجة حضورهم المهرجان، ومساهمة بنسبة 90 في المئة في تنمية منطقة جبيل من خلال الفنادق والمطاعم والمقاهي، ومتاجر السوق العتيق... «ما دفع عدداً كبيراً من الأشخاص والشركات إلى الاستثمار في المنطقة». الأمر نفسه ينطبق على المهرجانات الأخرى، ولو بنسب مختلفة. علماً بأن أصواتاً ارتفعت مراراً في بعلبك، من فعّاليات بلديّة ومحليّة، تشكو من عدم استفادة اقتصاد المدينة من هذا المهرجان.