صيف لبنان بخير، طمئنونا عنكم!

أستريد حدادأستريد حدادكريمة الصقلّي تغني الليلة أسمهان في قصر بيت الدين، وفي الوقت نفسه يشرّع مرفأ جبيل القديم أبوابه لجمهور شبابي سيرقص طوال الليل على إيقاعات التكنو والروك والإلكترو غروف. بين «الطرب الأصيل» و«الليلة البيضاء»، عليكم أن تختاروا

بيار أبي صعب
قبل شهر واحد، من كان يظنّ أن صيف لبنان سيشتعل بالمهرجانات؟ وأن «أيّام زمان» ـــــ أي سنوات الأحلام الحريريّة، ومشاريع الإعمار، وأوهام الازدهار الاقتصادي ـــــ ستعود، ولو بشيء من الخجل، إلى واجهة الجمهوريّة لتزيّن ليالي «الموسم الاصطيافي»؟ أغلب الظنّ أن المؤسسات المعنيّة اشتغلت على عجل، لتستلحق الموسم، وبذلت كل «لجنة» ـــــ كما تسمّى هنا الهيئات المديرة للمهرجانات ـــــ ما بوسعها لتركيب البرنامج الأفضل. النتيجة ليست خارقة طبعاً، ولا يمكنها أن تكون كذلك، لكنّها أبعد من أن تكون مخيبة للآمال: فالجمهور على موعد مع أسماء وتجارب بارزة، يعرف بعضها جيّداً، وسيكتشف بحماسة بعضها الآخر... الطرب يعانق الروك، واللاتينو على أنواعه وشيء من الجاز، والتانغو يجاور الاستعراض الجسدي الشامل، والكلاسيك أيضاً هنا، من دون أن ننسى أغنية البوب، عربيّة كانت أم أجنبيّة.
دائماً هذه الخلطة السحريّة التي ترضي كلّ الأذواق، وكل الأجيال. ومزيج ماهر من المحلي والعربي والعالمي. ذلك أننا نادراً ما شهدنا في لبنان مهرجانات متخصّصة في نوع معيّن، أو اتجاهات موسيقيّة متقاربة. ربّما يكون ذلك من رهانات المستقبل، مع تزايد عدد المهرجانات الصيفيّة في المنطقة، مغرباً ومشرقاً. الطفرة الحاليّة قد تدفع لاحقاً إلى شراكة ماليّة وفنيّة بين مهرجانات عدّة في أكثر من بلد عربي... وربّما قاد ذلك بعض التظاهرات إلى التخصص في الجاز أو الطرب أو الموسيقى الكلاسيكيّة، أو الموسيقى الروحيّة مثلاً كما هو الحال في فاس المغربيّة، والصوفيّة في الصويرة، إلخ... هناك مشكلة أخرى تتطلّب التخطيط والتنسيق. هي استهلاك النجوم أنفسهم في غياب سياسات متنوّرة تأخذ التجارب والأسماء الجديدة بعين الاعتبار... على سبيل المثال: خوليو إيغليسياس الذي يغنّي السنة في دمشق، وبلاسيدو دومينغو في عمّان، استهلكتهما المهرجانات اللبنانيّة منذ سنوات.
كريمة الصقليكريمة الصقليفي انتظار لحظة النضج تلك، تنمو المهرجانات العربيّة وتتسع، وترنو أكثر فأكثر إلى العالميّة، وتطبّق من دون حرج أحكام السوق، كما يجري مثلاً في الأردن، ناقلة المجتمع من طور رعاية الدولة (وله حسناته الأكيدة، وسيئاته المعروفة أيضاً)، إلى طور الخصخصة ومنطق السوق. تلك النقلة ستقصي حكماً أنواعاً وتجارب فنيّة جادة وطليعيّة، وستطرد خارج الأغورا، وهذا هو الأهمّ، شريحة كبرى من المشاهدين الذين اعتادوا المجانية أو الأسعار الزهيدة، على اعتبار أن الإبداع والفنّ حق لجميع المواطنين.
في لبنان لا نعرف هذه المشكلة. هنا دور الدولة نسبيّ وافتراضي، فيما تتولّى «الرعاية» مؤسسات مالية ومصرفيّة وخدماتية واستثماريّة، تساهم بشكل أساسي في دعم المهرجانات وتمويلها، إلى جانب السلطات المحليّة والبلديّة والمؤسسات الخيريّة (بعلبك تدعمها هذا العام «مؤسسة الوليد بن طلال الإنسانيّة»)... لا مفرّ والحالة هذه من الاعتماد على شبّاك التذاكر لاستكمال الموازنة. ولا يعرف لبنان، من جهة أخرى، سوى تجارب قليلة تشرك المؤسسات الخاصة في البرمجة مقابل عائدات ماديّة ومعنويّة مختلفة، كما هو الأمر في تونس حيث تدخل «روتانا» منذ سنوات في برمجة «مهرجانات قرطاج الصيفيّة». في تونس أيضاً نلاحظ حضور شركات إنتاج خاصة تقدّم فنّانيها في إطار المهرجان. نذكر مثلاً شركة Scop organisaion التي أمدّت «قرطاج» بفنانين من عيار شاغي، وبرمجت في «مهرجان الحمامات» إيما شابلين، وليز كازال، وفكتوريا ابريل، وفرقة PINK MARTINI وغيرها من الأسماء.
المهرجانات في لبنان لا يسعها حتّى الآن الاعتماد على إمكانات مالية كبيرة، أو الجمع بين شركات الإنتاج الخاصة ورعاية الدولة. المنتج المستقلّ الوحيد الذي نعرفه على الساحة اللبنانيّة هو ناجي باز الذي «ينتج» بيبلوس بمعنى ما، إذا جاز التعبير (باستثناء الآلة الرحبانيّة الضخمة في مسرحيّة «عودة الفينيق»). مما لا شكّ فيه أن باز يخوض مغامرة فريدة في الجمع بين الذوق الفني الملمّ بما يجري عالمياً، ومقتضيات البزنس التي لا مفرّ منها في نهاية المطاف...
باختصار، فإن الأنماط الإنتاجيّة والتوجّهات الفنية وسياسات البرمجة تختلف تماماً بين بلد عربي وآخر، مع اختلاف طبيعة النظام السياسي والواقع الاقتصادي والاجتماعي والتقاليد والعادات المحليّة... لكن بالمقابل، يسعنا القول إن القواسم المشتركة عديدة، ثقافيّة أساساً، على الأقل من وجهة نظر الجمهور وحاجاته وأذواقه وتوقّعاته و... تحوّلاته في السنوات الأخيرة. ومن وجهة نظر شركات الإنتاج والتسويق الكبرى، العربيّة والعالميّة، إذ تنظر إلى المنطقة بصفتها سوقاً واحدة لتوزيع أعمالها والترويج لفنانيها.
لكن لنعد إلى بيت الدين، وتحديداً إلى القصر الشهير الذي بناه الأمير بشير الشهابي الثاني الكبير مطلع القرن التاسع عشر. هنا يرتفع الليلة الستار عن الدورة الواحدة والعشرين من هذا المهرجان، مع الفنّانة المغربيّة كريمة الصقلّي. هذه الفنّانة ظاهرة فنيّة حقيقيّة، تعود إطلالتها الأولى في لبنان إلى عام ١٩٩٧ يوم غنّت مع الديفا الأميركيّة فليمينا فرنانديز في بيت الدين. لكن مكتشفها الحقيقي هو عازف العود العراقي نصير شمّة الذي استدرجها صيف ١٩٩٩ إلى مهرجان «حلق الواد» في تونس... ثم غنّت معه لاحقاً قصائد من تلحينه لأدونيس وأخرى لأمل دنقل... كما لحّن لها الفنان المغربي سعيد الشرايبي بعض الأغنيات. وتألّقت في «مهرجان الموسيقى الروحية» في فاس مع شيوخ المتصوّفة... في الوقت نفسه كانت قد شقّت لنفسها طريقاً موازياً مع الطرب الأصيل الذي دخلته صغيرة حين بدأت بأداء أم كلثوم. هكذا بدأ مشوارها، منذ مطلع القرن، مع أغنيات أسمهان. وها هي تحمل الأميرة الأسطوريّة معها الليلة إلى بيروت، حيث ضربت لنا موعداً خاصاً مع أسمهان.
ملاحظة أخيرة للشباب مثل كاتب هذه السطور. لا تنسوا الليلة «ليلتكم البيضاء» على بور جبيل ـــــ بيبلوس. السهرة ستكون طويلة وصاخبة وراقصة طبعاً، مع الموسيقى الشبابيّة على أشكالها، من روك وتكنو وإمبينت وإلكترونيات مع Lumi، Sébastien Tellier، Mouse on Mars، Munma. والإفطار ينتظركم صباح غد الأحد على المرفأ القديم.