على الأقل صرنا نعرف
يسري نصر الله *
من أعمال الفلسطينية أمل كعوششكّلت الدعاية الناصرية، في المناهج التعليمية والإعلام، وعينا تجاه قضية فلسطين. لم يكن هناك شيء يذكر عما حدث في 1948، إلا عن الأسلحة الفاسدة، وخيانة الملك، والاستعمار الذي أهدى إسرائيل الأرض كما قسّم من قبل الدول العربية عبر الخرائط بجرّة قلم.
باختصار، كانت هناك فجوة واسعة بين ما نعرفه عن الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وبين ما حدث فعلاً في 48، وظلّ ذلك حتى التحقنا بالجامعة، وتعرفنا إلى الفلسطينيين، فبدأنا نفهم المسألة بتفاصيل أكثر دقة، وبدأنا نفهم معنى كلمة لاجئين، ومعنى أن يُطرد شعب من أرضه. كان زملاؤنا في الجامعة يتحدّثون معنا عن تفاصيل حية في ذاكرتهم، ومن هنا كان تأثير الفلسطينيين على الحركة الطلابية في مصر هائلاً. كانوا يمثلون نموذجاً ديموقراطياً. فرغم اختلاط التيارات السياسية بين الفلسطينين، إلا أنّهم كانوا مجمعين على فكرة واحدة: التحرر. وكانت مصر والشعوب العربية بأكملها تفتقد الديموقراطية التي كنّا نراها السبيل الوحيد للتحرر. وكانت فلسطين، البلد المحتل، هي النموذج الديموقراطي. كانت المعادلة كالآتي: الديموقراطية + المقاومة = حرية.
لكنّ تلك النظرة تغيّرت كثيراً بعد أحداث أيلول الأسود، وانقسام منظمة التحرير على نفسها، ولم تكن أحداثاً عادية. فالهزيمة كانت تأتي دائماً من الخارج. لكنّها، بعد تلك الأحداث، أتت من الداخل. العرب أصبحوا ضد المشروع الفلسطيني، والفسطينيون ضد أنفسهم. كان ذلك فاصلاً كما كان متوقعاً، لكن الذي يبقى من ذلك هو التاريخ الذي يعتمد على الفرد والحكايات البسيطة التي نقلت الصورة التقليدية الغامضة كما حدث في 48، إلى تفاصيل حية جعلتنا نعرف ما حدث. كان ذلك مع انتشار أشعار محمود درويش وكتابات إدوارد سعيد والأدباء الفلسطينيين واللبنانيين، كإلياس خوري في «باب الشمس»، وأيضاً مع ظهور مجموعة من المؤرخين الجدد الإسرائيليين الذين كانوا أكثر حياديةً، وأسهموا في سقوط الأسطورة الصهيونيّة التي تقول إنّ المسؤولين عن التطهير العرقي في 48 كانوا من العصابات المتطرفة... بل حدث ذلك أيضاً على أيدي فرق الهاغانا والبل ماخ. والأسطورة القائلة بأن الإذاعات العربية كانت وراء ترك الفلسطينيين قراهم ومدنهم، دحدضتها التقارير البريطانيّة.
الآن أصبح لدينا تاريخ ضخم موثق. فوثائق الجيش الإسرائيلي نفسها تحكي قصة ما حصل في قرى فلسطين. لقد ثبت أنّ الأمر لم يكن مجرّد احتلال لوطن، بل عملية تطهير عرقي منظم. يبدو ذلك واضحاً ومبيناً في كتابات دبل موديوم وموشي ديان عن إمكان أن يحيا الفلسطينيون... لولا أن ذلك يحول دون بقاء دولة إسرائيل.
* سينمائي مصري





