تحرير العقل أوّلاً!
صبري حافظ *
هل هي نكبة واحدة التي يعانيها الواقع العربي، أم تراها نكبات متراكبة، تتوالد إحداها من الأخرى وتتفاعل معها؟ يطرح هذا السؤال نفسه علي وأنا أفكر في الكتابة عن النكبة. لأن للنكبة الواحدة في كثير من الأحيان فعل الصدمة التي توقظ الأمم وتشحذ عزائمها، وتستحثها على رد عواديها عنها. كما حدث مثلاً مع صدمة الحملة الفرنسية على مصر، التي أيقظتها ليبدأ بعدها محمد علي مشروعه التحديثي الطموح. كما كان للنكبة، التي درجنا على أنّها نكبة واحدة شهيرة هي نكبة العرب في فلسطين قبل ستين عاماً، الأثر نفسه الذي شحذ الهمم لتخليص المنطقة العربية من الاستعمار،تمهيداً لتحرير فلسطين من قبضة أشرس أشكاله وهو الاستعمار الاستيطاني. لكن ما يعانيه الواقع العربي الآن هو مجموعة من النكبات المتراكبة المتفاقمة التي خلقت إحساساً بالدونية والإحباط وتجذر الهزيمة، وأدت إلى تشويه العقل وتزييف التاريخ.
نعم لقد بدأنا بنكبة واحدة هي نكبة ضياع فلسطين، وظلت هذه النكبة واحدة حينما كان الفكر العربي حراً وواعياً بها، راغباً في التغلب عليها، وحينما كانت القضية الفلسطينية مركز الثقل في التفكير السياسي والاستراتيجي العربي. وكانت ثمة محاولات دائبة لبناء مشروع عربي يجعل هذه القضية محور قضاياه، ويكرس في العقل والوجدان العربيين رواسيها وخطوطها الأساسية الحمراء التي لا يصح تجاوز أي منها. وقد استتبع هذا كله، عن حق، عدم الاعتراف بدولة الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة، وفرض حصار اقتصادي وسياسي عليها، ومقاطعة كل من يعترف بها أو يتعامل معها، حيث كانت هناك إدارة للمقاطعة في الجامعة العربية تراقب ذلك كله. وكان الخطاب العربي ينأى عن مجرد الاعتراف بوجود دولة الاستيطان الصهيوني، ويرى احتلالها لفلسطين أمراً غير مشروع، ويعمل على تنحية اسمها عن مفردات اللغة، فكان يحال إليها باسم العدو الصهيوني، وإن تساهل بعضهم ونعتوها بالكيان الصهيوني، أو الدولة العبرية، لأن الاعتراف بها في اللغة، وبالاسم الأسطوري الذي اختارته لنفسها، هو الخطوة الأولى نحو الاعتراف بها في الواقع، لأن الواقع نفسه مصوغ باللغة وفي اللغة.
أقول نعم كان هذا في الماضي حينما كان الوعي العربي، والوجدان الشعبي العربي، على درجة من القوة والصلابة، تحول دون أي نظام أو حاكم عربي، وتجاوز أي من خطوط هذه القضية المحورية الحمراء. وحينما كان هناك فكر سائد وعميق بأنه لا يمكن أن تزدهر في هذه المنطقة من العالم أي من القوميتين العربية أو الصهيونية إلا على حساب الأخرى. وعندما كان للمثقف صوته وللثقافة استقلالها وقوتها الفاعلة، وكان العمل دائباً على أن يكون هناك مشروع للتحرر والتقدم العربي. وقد تلقى هذا المشروع ضربة في الصميم عام 1967، لكنه لم يعترف بالهزيمة، وشرع في وجهها لاءات مؤتمر الخرطوم الثلاث، وكل أسلحة الصمود والمقاومة. فقد اندلعت بعدها المقاومة الفلسطينية، وتعمق الالتفاف العربي والدولي بشأن القضية الفلسطينية أكثر من أي وقت آخر.
لكن يبدو هذا كله الآن وكأنه ينتمي لزمن بعيد موغل في القدم. منذ كُرّست الهزيمة، بعد حرب 1973 التي لم تنجح في تحرير ما احتله العدو حتى من الأراضي المصرية أو السورية، ناهيك ببقية الأرض الفلسطينية، بزيارة السادات المشؤومة إلى القدس، ثم بمعاهدة كامب دايفيد الأكثر شؤماً، وما ترتب عليها من رفع رايات العدو الصهيوني في أكبر عاصمة عربية. لذلك لم يكن غريباً أن يجتاح هذا العدو نفسه بعد ثلاث سنوات على كامب دايفيد عاصمة عربية أخرى هي بيروت، والعرب ساكتون... اللهم إلا من عبارات الشجب والإدانة الفارغة وشقشقات التنديد التي لا قيمة لها. فقد مثّل هذا الاتفاق الذي أعطى مصر فتات سيادة منقوصة على سيناء، وعزلها عن محيطها العربي، ووأد دورها القيادي في المنطقة، فتوزع أشلاءً بين دولة الاستيطان الصهيوني وإيران وتركيا والسعودية، مثّل في ظني النكبة الثانية.
ومنذ ذلك الوقت ونحن نشهد مجموعة من النكبات المتراكبة التي لا تقل في رأيي خطراً عن النكبة الأولى، والتي كان من الطبيعي بسبب تتاليها وتفاقمها، أن تبدو النكبة الآن في أسوأ أوضاعها، بعدما أراق الفلسطيني الدم الفلسطيني، منتهكاً بذلك آخر الخطوط الحمراء، بعدما بدأ السادات أول انتهاكاتها بوهم إخراج مصر سليمة من ساحة المواجهة، وهو وهم تدفع مصر ثمنه الفادح حتى اليوم، ثم تبعتها الأردن، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ولم يبق في الساحة غير المقاومة اللبنانية وسوريا إلى حد ما.
وأدى هذا كله إلى عربدة صهيونية غير مسبوقة، تفاقم أثرها بعربدة راعية الصهيونية وحليفتها الأولى التي احتلت بدورها بلداً عربياً كبيراً هو العراق. وهذه نكبة أخرى بأي معيار من المعايير، بعدما احتلت سلطة القرار السياسي في عدد لا بأس به من البلدان العربية، بأنظمتها الفاقدة للشرعية والصدقية، والعارية من أي مشروع وطني. واتسعت الفجوة بين توجهات النظام العربي وسياساته الخاضعة للإملاءات الصهيوأميركية وبين الوجدان الشعبي وبنية مشاعر الجماهير العربية بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث. وبدلاً من أن تثوّر الثقافة العربية الحرة هذه الفجوة، وتحيلها إلى حركة سياسية قادرة على تغيير هذا الواقع المزري، وصد عوادي النكبة، وزعزعة المؤسسات السياسية التابعة، استطاعت المؤسسة الرسمية بأدواتها الإعلامية والمادية الجبارة خلخلة رواسي الثقافة، وإطاحة الكثير من خطوطها الوطنية الحمراء، وتشويه بوصلة التفكير وخلط المعايير والقيم...
صحيح أن الوجدان الشعبي لا يزال سليماً، وأن بوصلة مشاعره الوطنية لم تتشوش بعد، لكن هذه المشاعر تحتاج إلى فكر حر لترشيدها وتفعيلها. لكن تلك المشاعر الصادقة لا تتعرض للحصار وحده، بل تواجه عواصف من الهجوم والتشويه. بعد احتواء قطاعات واسعة من المثقفين وتحويلهم إلى كلاب حراسة تصوغ خطاب المؤسسة المشبوه والمشبع برؤى العدو الصهيوني وأولوياته، وتروجه على أنه خطاب عربي ووطني، وتعمل على تشويه أي ثقافة عقلية حرة، أو مثقف مستقل شريف. وأصبح حراس الكلمة والقيمة الوطنية وأولويات الأمة العربية وخطوطها الحمراء مطاردين ومهمشين، لا من المؤسسة الرسمية وحدها، بل من كلاب حراستها من المثقفين الأشاوش الذين يدافعون باستماتة عن مكاسبهم التافهة.
إذاً فقد بدأنا بنكبة واحدة، احتل فيها الصهاينة جزءاً كبيراً من أرض فلسطين، وأصبحنا الآن إزاء نكبات متراكبة احتلت فيها أراضي ثلاث دول عربية، واخترق فيها الإعلام والاقتصاد العربي، وتمرغت بها دولة عربية كبيرة في مباءات الاحتلال الأميركي، وانتكس مشروع التحديث والنهضة العربي إلى حضيض التخلف والرجعية والظلام، ووصلنا إلى أم النكبات، وهي احتلال العقل، فوجدنا قطاعاً كبيراً من المثقفين يفكّرون بعقول محتلة، تدافع بوعي أو من دون وعي عن أولويات العدوّ، وتطيح عمداً كل أولوياتنا الوطنية وخطوطها الحمراء. وهذا الخطاب الشائه المترع برؤى العدو، والمدعوم بجبروت المؤسسة السياسية المسيطرة، استطاع، كالعملة الفاسدة، أن يطرد العملة الوطنية الجيدة، والفكر الحر المستقل، من السوق ويشوّهه. هذه حقاً هي أم النكبات، لأن العقل الحر والفكر الوطني المستنير هو الذي يحرّر الأرض المحتلة، أما العقل المحتل فلا سبيل أمامه إلا اليأس والانهيار، لأنه عقل عدّ الظلم حقاً، والمقاومة إرهاباً، والتفريط حكمة، والتغاضي عن الحقوق اعتدالاً، والاستسلام واقعية، وتنفيذ سياسات المحتل تجديداً وانفلاتاً من سطوة الأيديولوجيات القديمة الجامدة. هكذا كُرّست الآن النكبة بتشويه الوعي وتزييف التاريخ، ولم يستفد من هذا كله أي من المروّجين لهذا السخف والتهريج، وإنما المستفيد الأول والأخير هو العدو الصهيوني، واستعماره الاستيطاني لفلسطين المحتلة. ولا سبيل للخروج من هذه الهاوية وهذا الزمن الرديء... إلا بتحرير العقل، كي يبدأ في تحرير الأرض.
* ناقد مصري





