بين مرسيليا وبيروت
صلاح دهني *
باريس 9 أيار 1948
يوم سعيد لا كالأيام. انتهت فحوص آخر السنة الدراسية في معهد الدراسات السينمائية العالية، وها أنا على أتمّ الاستعداد للسفر إلى بلدي وقضاء عطلة الصيف بين أهلي وأصحابي.
قطار باريس ــــ مرسيليا: أشدُّ الرحال في الصباح الباكر، ومعي حقيبة ملابس وكتب. قطار تلك الأيام بطيء. تستغرق الرحلة نحو عشر ساعات. محطة القطار لا تبتعد كثيراً عن المرفأ. أحمل حقيبتي على كتفي وأسير، في جيبي تذكرة السفر على الباخرة التي ستقلّني إلى بيروت. في الحجرة السفلية، في قاع الباخرة، أجد لي فيها شريكاً فرنسياً عجوزاً، يرحّب بي بكلمات مؤنسة، أطلّ من خلف القمرة، فأجد سريري في مستوى ماء البحر.
خمسة أيام فقط تفصلني عن بيروت... سنتان انقضتا في باريس، أليست تلك مدة كافية لإلهاب مشاعر الشوق إلى البلد؟
تخرج الباخرة من مرفأ مرسيليا، صرنا حتماً في عرض البحر، لكن ما بها تتوقف بعد وقت قصير. نصعد وشريكي في الحجرة إلى سطح الباخرة. الليل حالك... أهو عطل في محركات الباخرة؟ لكن لا، ها هي ذي مراكب صغيرة تتقدم، ومنها يصعد إلى الباخرة، تحت جنح الظلام رجال ونساء وأطفال. تلفت النظر لحى سوداء طويلة مشعثة وطواقٍ سوداء مستديرة، ووجوه متعبة ومصفرّة. إنهم يهود مهاجرون إذاً، يشاركوننا الرحلة على الباخرة. الكل يحتشد على سطح الباخرة، من دون ضجيج، يتراصون كيفما اتفق.
استيقظنا في صبيحة اليوم الأول للرحلة، فإذا حشود اليهود استقرت على كل شبر من سطح الباخرة: أجساد آدمية مستلقية، وأخرى بدأت تتحرك تحت وهج الشمس، لم يعد هناك موطئ قدم لمتنزه.
أخيراً وصلنا مرفأ الاسكندرية، وهناك تعرّفت إلى طبيب سوري. علمت منه أن هجرة اليهود غير شرعية، وأن بوارج الدوريات البحرية البريطانية تتعقب بواخر المهاجرين وتعيدها من حيث أتت، لكن وجهة باخرتنا كانت بيروت، فكيف تقرر الوقوف في حيفا؟
مؤامرة، خدعة، غصّة شديدة في القلب، إذاً ثمة مشكلة وثمة مخاطرة... باقترابنا من بحر فلسطين ترتفع وتيرة القلق، تلوح في الأفق بارجة بريطانية ثم أخرى. البارجتان تقتربان من الباخرة وصلوات اليهود تزداد وتتكثف.
ها هو يوم 15 أيار، هل ترى سوف يتم حبسنا مع اليهود في حيفا؟ هل ستعاد باخرتنا من حيث أتت؟ البارجتان تحيطان بالباخرة وتقودانها إلى ميناء حيفا. نصاب بالهلع، الطبيب السوري وأنا. يخبرني الطبيب بمعلومة رهيبة: «بن غوريون» أعلن قيام دولة إسرائيل، وأميركا اعترفت بالدولة... الإنكليز المتآمرون في الأصل، سمحوا لليهود بالنزول في الميناء، فيما اتجهت الباخرة إلى بيروت.
■ 18 أيار 1948
كنت أنبش في أوراقي، فوجدت قصاصة قديمة مصفرّة. القصاصة من جريدة أميركية، يعود تاريخها إلى الثلاثاء 18 أيار 1948. أتساءل الآن كيف احتفظت بتلك القصاصة كل هذه المدة؟
عمر الصحيفة التي في حوزتي من عمر النكبة، وتاريخها من تاريخ النكبة... ثلاثة أيام فقط بعد إعلان قيام دولة إسرائيل، لعل ما جعلني أحتفظ بها هو مضمونها... قصاصة خطيرة وجريئة بدءاً من عنوان المقالة «بلا مسؤولية». ولكم من هو هذا اللامسؤول المعني الذي يشار إليه بأصابع الاتهام؟
إنه الرئيس الأميركي آنذاك، السيئ الذكر هاري ترومان، فبعد إعلان قيام دولة إسرائيل بدقائق، كان ترومان يسارع إلى الاعتراف بها. تتضمن المقالة سلسلة من الاتهامات للرئيس ترومان، فقراره بالاعتراف الأميركي بالدولة الجديدة، جاء فردياً من جانب واحد، فهو لم يستشر وزارة الخارجية، ولا وزارة الدفاع، كما لم يستشر حليفتي أميركا فرنسا والمملكة المتحدة. وتمضي الجريدة فتقول إن ترومان بعمله ذاك خاطر بتأليب العالم الإسلامي ضد أميركا.
لوم شديد وتقريع لتصرف أحمق من دولة كانت تمثّل قيم الحق والديموقراطية والعدالة، فإذا هي تسفر عن وجه قبيح إجرامي لم يكن يتوقّعه أحد منها.
ترى، هل كان معظم رؤساء أميركا ممّن خلفوا ترومان أفضل منه، وأكثر حكمة، وأكثر تعلّقاً بالمثل الإنسانية الأشد حساسية في عالم اليوم؟
* ناقد سينمائي سوري





