إسرائيل تودّع ماضيها… ومستقبلها

إسرائيليّون "يحتفلون" بيوم القدس في 2 حزيران (دان باليتي ـــ أ ب)إسرائيليّون "يحتفلون" بيوم القدس في 2 حزيران (دان باليتي ـــ أ ب)في عامها الستين، لم تعد إسرائيل كما كانت. متغيّرات داخليّة وخارجية عصفت بفكرة الدولة القومية والملاذ الآمن لليهود، لتطرح علامات استفهام جديّة حول مسار دولة أراد مؤسّسوها أن تكون «مثاليّة»

محمد بدير

دأب الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، على القول إن «إسرائيل في ظروف نشأتها واستمرارها، تشكل استثناءً عن السياق المفترض لحركة التاريخ». يُقصد بذلك أن قيامها لا يقل عن كونه إعجازاً خرق قواعد العادة والإمكان في إيقاعها الطبيعي.
رواية المعجزة هذه هي جزء عضوي من الشخصية الإسرائيلية، تتولد منه، وطبعاً من الخصائص العنصرية في القيم اليهودية، النزعة الفوقية في تقدير الذات (إسرائيل) والنظرة إلى الآخرين (المحيط العربي والإسلامي). إسرائيل بالنسبة إلى سكانها اليهود أكثر من دولة. في بعدها الوجداني هي حكاية نهوض من تحت الرماد لشعب شريد يتظلم منذ آلاف السنين. وفي بعدها السياسي هي التجسيد الحسّي الأول والأوحد للحلم الصهيوني القائم على قومنة اليهود. وفي بعدها الديني هي «بداية الخلاص» الإلهي الموعود لـ«شعب الله المختار». وفي بعدها الأمني هي الملاذ والملجأ ليهود العالم من لاسامية الأغيار التي بلغت ذروتها في المحرقة النازية.
هي، باختصار، رحلة العودة إلى الذات اليهودية في أكثر صورها عنفواناً واستعلاءً وشعوراً بالأنفة؛ وهي، بعد، قصة التحدي مع هذه الذات لإثبات مزايا الاصطفاء المدعاة مقارنة بباقي شعوب الأرض.
لا شك أن إسرائيل تمكنت خلال العقود الستة من عمرها من تحقيق إنجازات كبيرة، لعل أهمها قدرتها على البقاء وسط محيط رافض لها، وعلى تطويع جزء من هذا المحيط على التسليم بوجودها وبتفوقها.
في مقابل ذلك، ثمة الكثير من دواعي الشك في أن يكون «الآباء المؤسسون» للكيان الصهيوني طمحوا إلى دولة ستصبح بعد ستين عاماً ما أصبحت عليه إسرائيل. حلِم هؤلاء بدولة ريادية تكون «منارة» تشعّ على أمم العالم بالمعارف والقيم. حلموا ببناء مجتمع متناغم يقوم على «الإنسان الجديد» المولود في «أرض الوطن» كحصيلة لانصهار طوائف الشعب وشرائحه كافة، كما أملوا أن يكون هذا المجتمع عادلاً في توزيع ثرواته ويكفل العيش الكريم لأفراده كافة. وأخيراً، خطّطوا لبلد آمن يعيش فيه اليهود بسلام وطمأنينة بعيداً عن مخاطر الإبادة والاضطهاد.
اعتقد جيل المؤسسين أن «طلائعيتهم» تفرض عليهم ثمناً تضحوياً لا بد من دفعه في سبيل الأجيال المقبلة، وأخذ هذا الثمن شكل المعاناة الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. خيضت الحروب وتُكبد شظف العيش، وكان عنوان الأولويات السياسية اختراق الحصار وتكريس الوجود أمراً واقعاً لا تجاوز له. كل ذلك أملاً في أن يكون ما يُنجز إرثاً تأسيسياً يتم البناء عليه لصناعة مستقبل واعد. بل إن النزعة إلى الإيثار وصلت بمؤسس الدولة، ديفيد بن غوريون، إلى اعتزال السياسة وهو في أوج سطوته والانتقال للسكن في صحراء النقب كي يكون أسوة لعامة الشعب في «إزهار البادية».
بعد ستين عاماً، ماذا بقي من كل ذلك؟ تبقى الذكرى بالنسبة إلى الإسرائيليين مناسبة للابتهاج والفرح، لكنها أيضاً تمثل محطة بارزة لإجراء حساب مع النفس ولتظهير المفارقات التي تعانيها إسرائيل. فإنجازات الماضي لم تعد تشكل ضمانة للمستقبل، ونجاحاته قد تتحوّل إلى سجلات غابرة أمام فشل الحاضر المتراكم.
في إسرائيل اليوم، يمكن لأي مراقب أن يسمع دندنات القلق الذي يساور نخبها وعامتها حيال مستقبل الدولة. لم تعد إثارة علامات الاستفهام حول هذا الأمر ضرباً من الهذيان أو الخيانة أو التمرين الفكري المجنّح. أكثر من أي وقت مضى ـــــ منذ عام 1967 ـــــ بات التساؤل حول المصير في «أرض الميعاد» أمراً مشروعاً، حتى لو أثير بصوت عالٍ.
في إسرائيل اليوم، مجتمع يعاني من توترات واستقطابات طائفية ودينية ويكابد تجاذبات سياسية تصل به إلى حد التشظي، وثمة من يقول إن ما يمنع تفجره هو الضغط الخارجي المانع (الصراع مع العرب) الذي يفوق من حيث القوة الضغط الداخلي الطارد.
وفي إسرائيل اليوم أيضاً اقتصاد يئنّ تحت ثقل الموازنة الأمنية. أنين يمكن الوقوف على آثاره السلبية في سلة الخدمات والتقديمات الاجتماعية، كما في مؤسسات البحث العلمي التطويري وفي المنظومة التربوية بفروعها المختلفة، ناهيك عن نسبة السكان التي تعيش تحت خط الفقر، والتي بلغت 27 في المئة وهي في نمو مطّرد. وناهيك أيضاً عن الفوارق الطبقية في الدخل والمستوى المعيشي، وهي فوارق تعتبر من بين الأكبر في العالم.
وفي إسرائيل اليوم حكم «فاسد» تديره طبقة سياسية ضيّعت حدود العلاقة بين المال والسلطة، وتقدّم التصاقها بالكرسي على مصالح الدولة في ظل ظرف يُجمع الإسرائيليون على حساسيته المصيرية. أزمة الزعامة هذه تجد تعبيرها في استطلاعات الرأي العام، التي تظهر أن ثقة الجمهور بمنتَخبيه تكاد تكون معدومة وأن المسؤولية السياسية لدى هؤلاء فقدت أي معنى لها خلا التمسك بإشغال المنصب بذاته حتى من دون مشروع سياسي.
وفي إسرائيل اليوم تحولت الخدمة في الجيش من قيمة وطنية وأخلاقية عليا تعبّر عن الالتزام المتماهي والاستعداد لتقديم التضحيات في سبيل الدولة وأهدافها، إلى عبء يحد من الطموحات الشخصية للإسرائيليين، وفي أحسن الأحوال إلى مجرد وظيفة في القطاع العام. يتظهر ذلك في نسب التسرب المتزايدة من الخدمة (نحو 26 في المئة) وفي التهرب من الانخراط في الوحدات القتالية وتفضيل الوحدات ذات الطابع الإداري أو اللوجستي، كما في «هجرة الأدمغة» التي تشهدها المؤسسة العسكرية لمصلحة السوق الخاصة وإغراءاتها المادية.
ما تواجهه إسرائيل على هذا الصعيد هو عيّنة مصغرة من نزعة عامة توقف عندها تقرير فينوغراد مطوّلاً حين تحدث، بنبرة تحذيرية، عن طغيان الفردانية على مصلحة الجماعة حتى في المجالات التي لا تحتمل هذا النوع من المفاضلة، كالخدمة العسكرية وأمن الدولة.
يحصل ذلك، في بيئة استراتيجية أعادت متغيراتُها الإسرائيليين عشرات السنين إلى الوراء، أي إلى العقدين الأوليين من عمر الدولة، حين كان شبح التهديد الوجودي يتلبس وجدان قادتها، وحين كان هاجس الحرب المتوثبة كل الوقت يسكن تفكير شعبها إلى حد الرهاب. بالنسبة إلى كثير من الإسرائيليين لم تعد مقولة «اللاخيار»، التي روّجت لها الصهيونية العلمانية، كافية لتبرير قيام الدولة. فإسرائيل اليوم، ليست فقط المكان الأكثر خطراً على اليهود فوق وجه الأرض، بل إنها، وفق ما يكرر زعماؤها في كل مناسبة، الدولة الوحيدة في العالم التي تواجه تهديداً واضحاً بالإبادة.
لم يعد طرفا بندول التأرجح لدى الإسرائيليين يتجسّدان في الأمل والخوف حيال الابتعاد المتزايد لآفاق التوصل إلى تسوية سياسية تبعد احتمال الحرب، وتنامي قدرات الأعداء في الجنوب والشمال، متجاوزة خطوط الردع الحمراء. بات الإسرائيلييون يتأرجحون، في أحسن الأحوال، بين الشك والتشاؤم، في ظل إدراك يتعزز يوماً بعد يوم بأن حروب المستقبل ليست كحروب الماضي.
لا يعني ما تقدّم الترويج لمقولة أن إسرائيل أمست، في عامها الستين، على شفير الانهيار. فعل ذلك ديماغوجيةٌ صرفة. الغاية منه القول إن الرهان الصهيوني على دولة لا تكون كباقي الدول قد فشل. ما بقي في «تصور الذات» الإسرائيلي من فوقيّة حيال الآخرين يمكن عزوه بدرجة كبيرة إلى عاملين رئيسيين: ثقافي ـــــ عضوي، ناشئ عن الطبيعة اليهودية العنصرية من جهة، وموضوعي ـــــ خارجي مصدره الانحطاط الحضاري العربي من جهة أخرى.
الأسطورة الإسرائيلية تحوّلت أخيراً إلى تراث تستعذب استحضارَه ذاكرةُ من بقي من جيل المؤسسين، وإلى خرافة تدغدع مشاعر الحالمين القومجيين (الشوفينيين) من أفراد الجيل الراهن.
فقدت إسرائيل بريقها في أعين مواطنيها الذين أصبح أمان العيش ورغده مقدماً لديهم على ما سواه. بل إن ظاهرة السعي الدؤوب لدى من استطاع منهم الحصول على جوازات سفر أجنبية تشي بأن إسرائيل باتت بالنسبة إلى الكثيرين منهم خياراًَ قابلاً للصرف لا مصيراً مقترناً بالحتف.
خلافاً لكل المسلمات التي تشرّبها الإسرائيليون على مدى عقود، ثمة من بدأ فيهم يفكر بصوت مرتفع: ترى، ألم يكن الحق مع أولئك الذين فضّلوا البقاء في الشتات؟ قد يكونون سبقونا في إدراك حقيقة أن اليهود لن ينجحوا في صناعة دولة يهودية، أو أن الدولة اليهودية لن تكون أفضل من أي دولة أخرى، أو ربما أن الدولة اليهودية هي الحل الأسوأ للشعب اليهودي من الناحية الأمنية والثقافية والاجتماعية.
يعتقد هؤلاء أنهم ورثوا عن آبائهم دولة معجزة، وأنهم يخلّفون لأولادهم علامات استفهام مفتوحة على احتمالات قاتمة.



من فمك أدينك

كتب الصحافي الإسرائيلي، يهودا ليطاني، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أخيراً مقالاً كشف خلاله وثائق للإرهاب اليهودي وجدها في كرّاسة والدته، التي كانت تشارك مع العصابات الصهيونية.
ويورد ليطاني، في مقاله، أن الكرّاسة تحمل عنوان «الوسائل الإرهابية المستخدمة من خلال الألغام والعبوات الناسفة». مصدر الكتاب كان «قيادة سلاح الهندسة الرئيسي في فلسطين ـــــ أرض إسرائيل وما وراء الأردن».
ويقول الكاتب «أجل أجل إرهاب يهودي، ليس في هذه الكراسة كلمة أو نصف كلمة حول الإرهاب العربي. مفصّلة فيه الطرق المستخدمة (الحقائب المتفجرة والعبوات الناسفة والقنابل اليدوية المفخخة) والعمليات الإرهابية اليهودية التي نفذت في ذلك العام، والتي كان أهمها تفجير فندق الملك داوود في القدس على يد منظمة الايتسل».
وتابع «ليس في هذه الكراسة موقف معارض أو مؤيد لأحد الجانبين العربي أو اليهودي، ولكن مجرد ذكر العمليات الإرهابية التي نفذها اليهود ضد الجيش البريطاني والصور الملتقطة للعمليات وذكر عدد الضحايا بالأرواح والمصابين البريطانيين يدفع القارئ للاستنتاج بأن اليهود قد يستخدمون طرقاً مرفوضة وخسيسة للإجرام والتخريب ضد ممثلي التاج البريطاني وبالأساس يرتكبون الفظائع ضد الجنود البريطانيين البسطاء».
ويشير ليطاني إلى أن عام «1946 كان أحد الأعوام الأشد صعوبة بالنسبة إلى الحكم البريطاني في أرض إسرائيل: حركة العصيان العبرية التي وحدت الحركات السرية (الهاغانا والايتسل والليحي) نفذت عمليات إرهابية منسقة ضد البريطانيين؛ الرد البريطاني وضع العراقيل أمام هذه التحركات غير القانونية و«السبت الأسود» حيث نفذت خلال ذلك اعتقالات جماعية لقادة المراكز الاستيطانية اليهودية، وجرت عمليات تفتيش دقيقة بحثاً عن السلاح والذخيرة في المدن والكيبوتسات العبرية».