هكذا تحوّل الفُتات مطلباً لا يُلبّى

بعد ستين عاماً على النكبة، لم تعد الأرض والشعب وحدهما الضحيّتين الأساسيّتين لاحتلال فلسطين. المطالب السياسية باتت عنصراً جديداً في الشتات الفلسطيني والعربي بعد مسيرة تراجع طويلة بدأت مع قرار التقسيم في عام 1949، مروراً بلاءات الخرطوم والبنود العشرة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وصولاً إلى مبادرة السلام العربية، وأخيراً مؤتمر أنابوليس

حسام كنفاني

ستون عاماً اختفت معها ملامح فلسطين التاريخية من الخطاب السياسي العربي. الخطاب نفسه الذي رفع الصوت عالياً ضد القرار الأممي 181 لتقسيم فلسطين بين العرب واليهود. الوقت كان كفيلاً بتقزيم القضية والأرض إلى ما دون الـ20 في المئة من الأرض التاريخية التي شرّد منها آلاف الفلسطينيين في عام 1948.
في البدء كان قرار التقسيم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني من عام 1947. حينها أحدث نقمة عربية وفلسطينية ضد ما تضمّنه من إجحاف بالحقوق الفلسطينية الطوبوغرافية والديموغرافية، إذ أعطى 55 في المئة من الأراضي الفلسطينية إلى الدولة اليهودية، شاملاً شريطاً بحرياً يمتد من أسدود إلى حيفا تقريباً، ما عدا مدينة يافا، إضافة إلى غالبية مساحة صحراء النّقب، ما عدا مدينة بئر السبع، وشريط على الحدود المصرية.
في المقابل، كانت الدولة العربية، بحسب القرار نفسه، تمتد على كامل مساحة الضفة الغربية، إضافة إلى سيطرتها على مناطق واسعة من الجليل المتاخم للحدود اللبنانية وامتداد قطاع غزة إلى مدينة أسدود شمالاً، وعلى نصف حدود فلسطين مع مصر شرقاً. وأبقى القرار مدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية.
لم تكن هذه إلا بداية انحدار التمسك العربي أولاً، والفلسطيني ثانياً بالحدود التاريخية التي ضاعت مع الهزيمة الكبرى في 15 أيار 1948، التي تسمّى تلطيفاً «النكبة»، وأدّت إلى قيام دولة إسرائيل على مساحة ما يزيد على 60 في المئة من فلسطين التاريخية، متخطّية بذلك حدود قرار التقسيم، وأبقت على الضفة الغربية، التي أُلحقت بالإدارة الأردنية، وقطاع غزة الذي بات في ظلّ السيادة المصرية.
والمفارقة أنه تحت مسمّى التمسّك بفلسطين التاريخ وعدم تجزئة القضية، لم تبادر مصر والأردن إلى محاولة إنشاء إدارة فلسطينية موحّدة للضفة الغربية وقطاع غزة على غرار المطالب القائمة حالياً لإقامة الدولة الفلسطينية المؤقّتة أو الدائمة.
الرفض العربي بقي على حاله حتى التحاق الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى القدس والجولان وسيناء، بباقي الأراضي الفلسطينية المسلوبة. فكانت النكسة في الخامس من حزيران 1967. «النكسة» أيضاً كانت تلطيفاً للهزيمة، فيبدو أن العرب لم يكونوا معتادين على هذه الكلمة، ولا سيّما أنهم كانوا ولا يزالون يتغنّون بأمجاد فتوحات غابرة، وبالتالي ما كان يليق بهم هذه الصفة وهم المنصّبون «آله الشعوب».
هزيمة حزيران أحدثت تحوّلاً جذرياً في المطالب العربية، من دون أن تتجاوزها إلى الفلسطينية، التي كانت منظمتها لا تزال في طور سنيّ نشأتها الأولى. التحوّل العربي تجاوز الاعتراف بقرار التقسيم، وبات يعترف بالواقع الذي فرضته نكبة 48. فتركّزت غالبية المطالب العربية الرسمية على العودة إلى خطوط ما قبل النكسة على أساس القرار الدولي 242.
الالتحاق الفلسطيني بالقبول العربي بأمر الواقع الإسرائيلي احتاج إلى سبع سنوات مع برنامج النقاط العشر لمنظمة التحرير خلال اجتماع المجلس الوطني الثاني عشر في القاهرة في حزيران 1974، حيث تم التخلّي للمرة الأولى علناً عن التحرير الكامل من البحر إلى النهر والدعوة إلى إقامة سلطة وطنية على جزء من أرض فلسطين، خلافاً لميثاق منظمة التحرير الذي ينصّ في مادته الثانية على أن «فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ».
لم يكن التحوّل الفلسطيني إلا جزءاً من سياق عربي. إذ إنه سبق للعرب محاولة التغطية على قبولهم بالقرار 242 بإطلاق «لاءات ثلاث» شهيرة في قمّة الخرطوم عام 1967، حين أعلنوا أنه «لا للسلام، لا للتفاوض، لا للاعتراف بإسرائيل». إلا أن هذه اللاءات ما لبثت أن تحوّلت إلى نَعَمات بعد اتفاق السلام العلني بين مصر وإسرائيل عام 1978 والاتصالات السريّة بين العديد من الدول العربية، وفي مقدمها الأردن، مع الدولة العبرية.
ولم يطل الوقت حتى باتت «النعمات العربية» منهجاً تكرّسه مبادرات، كانت انطلاقتها سعودية في قمّة فاس في آب 1982، يوم أعلن وليّ العهد السعودي في حينه، الأمير فهد، مبادرة سلام مع إسرائيل لم تلق استحساناً أو إجماعاً، تضمّنت الدعوة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 وتفكيك المستوطنات وضمان عودة من يرغب من اللاجئين الفلسطينيين وتعويض من لا يرغب، في مقابل السلام.
الأفكار السعودية التي رفضها بعض العرب في عام 1982، قبلت بإجماع عربي في قمّة بيروت عام 2002، مع إضافة عروض تطبيع سياسيّة واقتصادية، إذ أصبح السلام والتفاوض مطلبين عربيين ملحّين و«خياراً استراتيجياً»، بينما الاعتراف أصبح بحكم الأمر الواقع طالما أن غالبية الدول العربية اليوم تقيم علاقات سريّة وعلنيّة مع إسرائيل.
التحوّل العربي كان لا بد أن ينعكس على المطلب السياسي الفلسطيني الذي خاض المفاوضات مع إسرائيل على أساس ما توافق عليه العرب، أي الأراضي المحتلة بعد الرابع من حزيران عام 1967، وتحديداً الضفة الغربية وقطاع غزة، والجزء الشرقي من القدس. وبناءً عليه، خاض الفلسطينيون مفاوضات ماراثونية ابتداءً من مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، مروراً باتفاقات أوسلو الشهيرة وما تبعها من مؤتمرات استكمالية سقطت في النهاية في كامب ديفيد عام 2000، عندما رفض الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات ما عرض عليه من تنازلات.
جمود في التفاوض اعترى المسار الفلسطيني ـــــ الإسرائيلي بعد كامب ديفيد مع تفجّر الانتفاضة الثانية، حتى ظهرت «خريطة الطريق» إلى العلن في عام 2003 ورؤية الدولتين للرئيس الأميركي جورج بوش، التي أوصلت في النهاية إلى مؤتمر أنابوليس في تشرين الثاني الماضي، والذي كان من المفترض أن يؤدّي إلى قيام الدولة الفلسطينية في نهاية العام الجاري على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزّة.
وبغضّ نظر عن الأفق المسدود لتاريخ نهاية العام، فإنه حتى أراضي الضفّة الغربية وقطاع غزّة، لم تعد مضمونة اليوم في المسار التفاوضي الإسرائيلي ـــــ الفلسطيني، الذي بات قائماً على نظرية تبادل أراضٍ تضمن مساحة الضفة الغربية، لا أراضيها. غير أن الوصول إلى هذه النقطة في المفاوضات دونها مشقّات، ولا سيما أن خطوطاً جديدة نشأت على الأرض الفلسطينية، وتحتل اليوم صدارة الاهتمام.
فالحديث اليوم، وفق المرحلة الأولى من خطة «خريطة الطريق»، المعتمدة أساساً في المفاوضات التي أقرّها مؤتمر أنابوليس للسلام، هو عن حدود 28 أيلول عام 2000، أي تاريخ اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية، التي استباحت بعدها إسرائيل أراضي الضفة الغربية التي كانت خاضعة للسلطة الفلسطينية، وفق اتفاقات أوسلو.
والحديث تحديداً هو عن المناطق المصنّفة «أ» و«ب» وفق اتفاق أوسلو، والتي تمثّل نحو 40 في المئة من الضفة الغربية، وتشمل مراكز المدن الرئيسية ما عدا الخليل، إضافة إلى مناطق القرى والريف.
مسار من التقزيم بدأ من قرار التقسيم ولم ينته إلى اليوم، ولا سيما مع الحديث ظهور نظرية تبادل الأراضي والسكان، التي تهدف إلى الحفاظ على يهودية إسرائيل وأن تكون الدولة الفلسطينية للفلسطينيين فقط، بحسب تعبير الرئيس الأميركي جورج بوش خلال جولته الشرق أوسطيّة الأولى في كانون الثاني الماضي.
نظرية تبادل أراضي أدخلت عليها إسرائيل تعديلات لتشمل 13 في المئة من أراضي الضفة الغربية، وهو أكثر بكثير من ما كان مطروحاً في كامب ديفيد التي رفضها الزعيم الراحل ياسر عرفات في العام 2000.
تقزيم دخل عليه الرابع عشر من حزيران 2007، ليعلن عن واقع فلسطيني جديد فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، ليصبح حلم الدولة مقسوم إلى دولتين بحكومتين وسلطتين تشريعيتين. فصل لم يشهده بعد أي قرار دولي، إلا أنه كان برسم أصابع دولية أدخلت الفلسطينيين في ملهاة داخليّة، وأخرجت القضيّة عن مسارها.
مطالب الأمس كانت فلسطين التاريخية، إلا أنها ما لبثت أن تراجعت إلى حدود الرابع من حزيران العام 1967. تاريخ لا يزال صامداً على ورق التفاوض، لكن الواقع موغل في تفصيل تواريخ واستحقاقات تبقي الرابع من حزيران في طي المجهول.
أحدث التواريخ المرتقبة هو نهاية العام الجاري، بناء على وعد بوش، لكن مواعيد لاحقة لا بد أن تظهر لتبقي القضية رهينة وعود من دون تنفيذ.



«خريطة أولمرت»

رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت طرح خلال اللقاءات الأخيرة مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس أفكاراً للتوصل إلى ما يشبه إعلان المبادئ مع نهاية العام الجاري. أفكار تناولت قضايا اللاجئين، والقدس المحتلة، والكتل الاستيطانية ومساحة المناطق التي تنوي إسرائيل ضمّها من أراضي الضفة الغربية، والأغوار.
وتستثني «خريطة أولمرت» ما تُسمّى «منطقة القدس الكبرى» من أراضي الدولة الفلسطينية المرتقبة، على اعتبار أن «القدس الكبرى جزء من أراضي دولة إسرائيل، وهي تمتد من تخوم مدينة رام الله إلى تخوم مدينة بيت لحم». وفي ما يتعلّق بـ«الحوض المقدّس»، الذي كان يشمل البلدة القديمة، ووادي قدرون، وجبل الزيتون في القدس المحتلة، فقد بات يشمل «القدس القديمة وحيّ سلوان، على أن تكون السيادة عليه إسرائيلية وتُبحَث ترتيبات وصول أتباع الديانات إلى أماكنهم المقدّسة بإشراف أو رقابة دولية». أما إدارة الأماكن المقدسة فمن الممكن أن تكون هناك إدارة فلسطينية أو عربية ـــــ إسلامية للمسجد الأقصى والأوقاف الإسلامية. وتستثني الخطّة منطقة اللطرون وقراها الثلاث في حدود القدس، التي هدمتها قوات الاحتلال عام 1967، لتبقى منطقة إسرائيلية غير مدرجة على جدول أعمال المفاوضات.
وبحسب «خريطة أولمرت»، فإن الكتل الاستيطانية تُضَمّ إلى إسرائيل، وتُوَسَّع أفقيّاً لتحقيق التواصل مع كل كتلة استيطانية. ومجموع الأراضي التي تطالب سلطات الاحتلال بالإبقاء عليها ضمن الخطّة الجديدة أصبح بحدود 15 في المئة من الضفة الغربية. ويعرض أولمرت لحل مشكلة ترابط وتواصل أراضي الدولة الفلسطينية البحث في بناء سلسلة من الجسور والأنفاق.
أما منطقة الأغوار، فهي بحسب مخطّط أولمرت «مجال أمني حيوي لإسرائيل وتبقى تحت السيطرة الإسرائيلية مع ممر إلى جسر اللنبي أو الملك حسين»، أي تبقى على حالها كمنطقة «سي»، بحسب تعريفات اتفاق أوسلو. و«خريطة أولمرت» للأغوار لا تتضمّن فقط سهل غور الأردن، بل «تشمل منطقة واسعة بعمق 17 كيلومتراً من نهر الأردن وتصل إلى تخوم طوباس».