القابضون على جمر الانتماء
طلّاب عرب يحيون ذكرى نكبة فلسطين في الجامعة العبرية في القدس المحتلّة (غالي تيبون ـــ أ ف ب)قلّة بقيت على الأرض ولم تذق القتل أو التهجير، غير أنها عانت على مدى ستين عاماً من محاولات طمس الهوية. محاولات نجح بعضها، إلا أنها جوبهت، ولا تزال متمسّكة بالانتماء إلى فلسطين
حيفا ــ الأخبار
على الفلسطيني المارّ في شوارع حيفا ليلة «استقلالها»، أنْ يتقن الهروب إلى ذاته. أن يتجاهل النيران الملوّنة التي تحتل أفق المدينة. لا وقت للتأمل، فالضوضاء لا تترك حيّزاً: موسيقى غربية تنبعث من الكرمل، وعبرية شرقية من البلدة القديمة، وأميركية صاخبة من سيارات «المشاغبين» في الشارع. كلها تختلط في الأذن، تماماً مثل التساؤلات.
الاحتفالات الإسرائيلية في كل مكان. لم يتركوا ساحة إلا نصبوا فيها منصّة وسماعات. لكنَّهم، كما يبدو عن قصد، اختاروا شارع «بن غوريون» (شارع الكرمل في عهد فلسطين)، ليكون مركزاً للاحتفال. لقد تركوا شوارع حيفا كلها، واحتفلوا في المكان الذي تحوّل قبل عشر سنوات إلى مركز عربي ترفيهي وثقافي. ملأوه بالأعلام الإسرائيلية. لم يتركوا زاوية إلا غرسوا بها علماً. «لقد اختاروه خصيصاً ليشوّهوا الطابع العربي للشارع»، يقول الناشط السياسي، عروة سويطات، الذي يسكن في الشارع وقد غادره في تلك الليلة لينام لدى أصدقائه في الناصرة.
عندما تسأله عن شعوره كشابّ في تلك الليلة يقول إن «الشعور صعب، يحتفلون باحتلالك تحت بيتك، ماذا سيكون الشعور؟». لكنه يلفت إلى نقطة مهمة «ما يعزّي أنَّ هناك وعياً أكثر من أي وقت مضى في صفوف الشباب والتشديد على الانتماء الفلسطيني. وهذه الاحتفالات لن تمحو ما نشعر به».
الشباب الفلسطيني هو عنوان يصلح لكل مكان. يمكن التطرق إليه في كل وقت. تحاول إسرائيل منذ قيامها جرّه نحو رقعة رمادية عالقة بين انتمائه الفلسطيني ووجوده في الدولة العبرية. أخفت المؤسسة الإسرائيلية الرواية الفلسطينية من مناهج التعليم، فتعلموا روايات عن شعوب العالم وأهملت روايتهم. لم تكف المخططات منذ عقود، واليوم تحاول السلطات ضمن مديرية تصل ميزانيتها إلى ملايين الشواقل، فرض الخدمة المدنية على الشباب العربي تكون بديلاً من الخدمة العسكرية.
وضمن هذا المخطط، يتطوع الشباب الفلسطيني في إحدى مؤسسات الدولة في مقابل خدمات متواضعة. كل هذه المخططات والميزانيات، لم تحقق نتائج المؤسسة المطلوبة، فمن ينظر إلى الحضور الشبابي المهيمن على نشاطات إحياء الذكرى الستين للنكبة الفلسطينية، يدرك بأنّ مخططات السلطة لم تفلح. والشباب متمسك اليوم بضرورة العيش بكرامة وعودة اللاجئين الفلسطينيين الى ديارهم.
■ الهروب إلى أطراف المدينة
عليك السير بين النقاط لتجنب أن يراك أحد ويعتقد بأنك تحتفل في ليلة الاستقلال. قد يعتبرونك واحداً من بضعة عرب مشاركين في الاحتفال. لن يعذرك أحد اذا شاهدك تحتفل، فتهرب إلى أطراف المدينة التي لم تكن ذات يوم في الأضواء، فتصل إلى أحد المقاهي العربية. فتاة وأربعة شبّان يجلسون إلى جانب إحدى الطاولات. «الاستقلال» لا يشغلهم. كان اثنان منهم يرتديان ثوبين على ظهرهما 1948. عندما تسألهم عن شعورهم في ليلة كهذه، يقول نادر، شاب يسكن قرية قريبة من حيفا، «الشعور صعب، ولكن لا أفكر كثيراً بهذا الشعور، الاحتفالات لا تستفزّني. لكني في هذا العام أشعر بالانتماء الفلسطيني اكثر من أي وقت. لا أعرف لماذا».
يقول نديم ناشف، المدير العام لجمعية الشباب العرب «بلدنا»، التي تتخذ مدينة حيفا مقراً لها، إن نشاطات الجمعية المناهضة للخدمة المدنية «تشهد التفافاً منقطع النظير»، مفنّداً ما تتوارده التصريحات الإسرائيلية حول «إنجازات» في تجنيد الشباب العرب بقوله: «على الرغم من ملايين الشواقل، لم تنجح السلطات إلا بتجنيد 600 شاب فلسطيني من مئات الآلاف، هذا ليس إنجازاً على الرغم من محاولتهم تسويقه على أنه كذلك».
ويرى ناشف أنَّ التحولات السياسية في الأعوام الأخيرة أثّرت كثيراً على الجيل الشاب، وخصوصاً «بعد هبّة أكتوبر 2000 واستشهاد 13 شاباً فلسطينياً، فقد شعر الشباب أنهم يحملون قضية ينتمون إليها. وحدثت هوّة عميقة بينهم وبين المؤسسة، ما دفعهم نحو التشديد على هويتهم»، موضحاً «انكسر وهم من كان يعتقد بأن إسرائيل ستمنح الفلسطينيين حقوقهم وتعمل على جعلهم مواطنين مع حقوق».
ويرى ناشف أن التطور ملموس في هذا الصدد «حتى في صفوف الشباب العرب الذين يعملون في مؤسسات ليست بالضرورة فلسطينية، وهم اليوم يغيّرون خطابهم ويعرّفون أنفسهم على أنهم فلسطينيون».
لقد راهن ديفيد بن غوريون، أحد آباء الدولة العبرية، على أن «الكبار سيموتون والصغار سينسون» لكنَّ أحداً لم ينس. غير أن هذا لا ينفي وجود شريحة من الشباب بعيدة عن هذا الانتماء بفعل الأوضاع السياسية المتراكمة منذ ستين عاماً. لكنَّ من المؤكد أنَّ معادلة بن غوريون سقطت.
■ جيل منتصب القامة
تقول الباحثة في جامعة حيفا، د. خولة بكر، التي كانت قد نشرت كتاباً تحت عنوان «جيل منتصب القامة» لوصف الجيل الفلسطيني الذي ولد بعد يوم الأرض 1976، «إذا نجحت إسرائيل بهدم القرى فإنها فشلت في هدم الانتماء لها ولأهلها». وتتابع «بدءاً من سنوات السبعين من القرن العشرين، ولسببين مركزيين، ارتفع وعي الجيل الشاب لفلسطينيّته. السبب الأول هو رفع الحكم العسكري عن الفلسطينيين داخل إسرائيل، والسبب الثاني هو اهتمام القادة بتربية النشء على الانتماء الفلسطيني وإبقاء القضية الفلسطينية حيّة في وعيهم القومي واليومي».
الشباب الفلسطيني ليس وحدة واحدة. ثمة شريحة صغيرة، ابتعدت عن الانتماء. ثمة من الشباب من يتجند للخدمة العسكرية، وهناك أيضاً من يلجأ للخدمة المدنية. ولا يخفى الأمر عن بعض الشبان الذين يحتفلون في عيد استقلال الدولة العبرية. وتقول أبو بكر عن هذه الظاهرة، التي قلّت في الأعوام الأخيرة، «ضمن جيل منتصبي القامة، توجد مجموعة محنية القامة نجحت إسرائيل في إقناعها بأنها ستنال حقوقاً متساوية إذا خدمت في الجيش أو طمست هويتها الفلسطينية. بعض من هذه الفئة لم يتلقّ أي تثقيف سياسي وطني، وبعضهم ولد لأسر آمنت بسذاجة أن الأسرلة ستمنح أولادها فرصاً أعلى للاندماج والمساواة مع المجتمع الإسرائيلي اليهودي».
■ العودة!
الشباب الفلسطيني في الداخل لم يقف وقفة المتفرج في الذكرى الستين للنكبة. كان مبادراً ومشدداً على حق العودة. عشرات النشاطات في عشرات المدن. اكتسب النضال طابعاً شبابياً. «ن» فتاة جامعية، تفضل عدم الإفصاح عن اسمها، تقول إنها وصلت إلى جامعة حيفا من دون وعي سياسي يذكر: «جئت من بيت يخاف السياسة، يعيش واقعاً متخبّطاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تجنبت النشاطات السياسية. لكني اكتشفت، ربما متأخرة، أني لست عربية إسرائيلية، أنا فلسطينية في إسرائيل. لكن والديَّ يخافان عليَّ كثيراً، ويطلبان مني عدم التورط. اليوم أخرج للتظاهرات من دون علمهم».
في طريق العودة من أحد الأماكن العربية في ليلة الاستقلال، كان سائق التاكسي الروسي يتحدث العبرية بصعوبة، يعرف الأرقام وأسماء المناطق في حيفا. لكنَّه حين يبدأ الحديث في السياسة، تنهال كوارثه اللغوية من حيث لا يدري الراكب. أزمة السير الخانقة في احتفالات «الاستقلال» تمنحه مزيداً من الوقت ليرتّب جملاً مفيدة بعد التدقيق: «هل تعرف ماذا تعني 60 عاماً، من كان يصدّق أنَّ الشعب اليهودي سيملك دولةً وستستمر»، قال مفاخراً من دون أن يعرف بأن الجالس إلى جانبه فلسطيني.
حين تسأله بعد برهة: «لماذا إذاً تعمل الليلة ولا تحتفل؟»، يصمت ويشير «هذا وقت العمل، أبنائي يحتفلون، لا وقت للاحتفال، غلاء في المعيشة، وأسعار الوقود قفزت... صارت الحياة في هذا المكان جهنّم».





