لولا البندقية

إيلي شلهوب
وصمة عار على جبين التاريخ خطّتها قبل نحو 60 عاماً عصابات صهيونية، ومعها مستعمر وعميل. مأساة خلّفت غدة سرطانية توسّعت شيئاً فشيئاً حتى انسلّت إلى جسد الأمة وروحها. بقي منها حكايات عن قرى أبيدت وشعب هُجّر. عن أرض اغتصبت وعن قدس هوّدت...
ذكرى تستعاد في الخامس عشر من أيار من كل عام. أرادتها «الأخبار» هذه السنة مناسبة خاصة، لما تحتضنه من معانٍ في ظل التحوّلات الاستراتيجية التي تعصف بالمنطقة، فكان الإصرار على ضرورة صدور الملحق الخاص هذا، ولو متأخراً، بفعل التطورات الأمنية التي نالت من بيروت وما تلاها من تداعيات.
أرادتها محاولة لإثارة مراجعة نقدية جدّية للأداء الذي حكم طريقة إدارة الصراع مع إسرائيل على مدى ستة عقود، نجحت خلالها الدولة العبرية في كي الوعي العربي. وعيٌ تجذّرت فيه مقولة «الجيش الذي لا يقهر» والكيان المحمي من العالم كله. زُرعت فيه بذور الاستسلام ومفهوم «عمالة الضرورة» و«فضيلة» استجداء الصلح.
نجاح لم يكن ممكناً لولا تخبّط الأنظمة العربية وتواطؤ بعضها. أنظمة جعلت القضية الفلسطينية شمّاعة بررت بها ديكتاتورية حكامها وظلم عسكرها وفساد إداراتها. تجاهلت الحقوق، ومعها المقدسات، لضمان وجودها. استسلمت لـ«التفوّق» الإسرائيلي مذ حرب 1973 وخروج مصر من المعادلة. انكفأت إلى الداخل. خاضت مواجهات بالواسطة، هدفها بلوغ السلام، الذي غدا خياراً استراتيجياً.
عقود من الاحتلال كادت تنسي العالم فلسطين وشعبها، لولا البندقية التي رفعتها المقاومة الفلسطينية منذ منتصف ستينيات القرن الماضي. حملها القائد الرمز ياسر عرفات قبل أن يرفقها في عام 1974 بغصن زيتون، تزايد تأييده له مع مرور الوقت واتضاح رفض الزعماء العرب لمفهوم الكفاح المسلّح واضطهادهم له.
حتى جاءت انتفاضة الحجارة وما تلاها من تحوّلات عالمية بفعل انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الاشتراكي، فكان مؤتمر مدريد ومسار أوسلو، الذي أطاح لاءات الخرطوم، فاتحاً الباب أمام التطبيع والتفاوض والاعتراف.
غدا التنظير لـ«سلام الشجعان» فرض عين تغذّيه مرارة الهزائم والنكسات المتتالية. ضاعت فلسطين، بعدما تقزّمت المطالب بشبر هنا وآخر هناك. جولات من التفاوض لفتح معبر أو إزالة حاجز. محادثات قادها الاحتلال بعجرفة المنتصر: شروط مذلّة واعتداءات لا تتوقف واستيطان قضم الأخضر واليابس وتهويد للقدس ومقدساتها، وتدمير وتهجير وتجويع وقتل وحصار... وأسرلة يقاومها فلسطينيّو 48.
عادت البندقية، ومعها الاستشهاديون، في انتفاضة أقصى اندلعت بعد نحو أربعة أشهر من الاندحار الإسرائيلي عن لبنان. انتفاضة سرعان ما خطفت الأضواء منها هجمات 11 أيلول واحتلال أفغانستان والعراق... ورحيل عرفات. أرهقها انقسام الفلسطينيين بين صقور مقاومة وحمائم سلام، سقطت جميع رهاناتها على وعد من جورج بوش بالتوصل إلى تسوية نهائية قبل نهاية 2008.
لكن البندقية بقيت، وتعززت بصواريخ، أربكت الاحتلال الذي بات يعاني «عقدة غزة». هذا القطاع المكتظ، المقهور، الذي وصفه المجتمع الدولي ذات مرة بأفقر قطعة أرض في العالم وأكبر سجن فيه. بندقية تستوحي عِبَر تموز 2006، التي أسقطت أسطورة هذا «الجيش الذي لا يقهر»، ومعها منظومة الردع التي أرعبت العرب لعقود خلت. عِبَرٌ أعادت الأمل بإمكان استعادة الحق المسلوب ورفع الظلم عن أجيال ما عرفت يوماً إلا الاحتلال والقهر. عنوانها واحد أحد: لولا البندقية لما بقي لكم شيء.


أرسله ناصر الجعفري (لم يتم التحقق) يوم سبت, 2008-07-12 10:43.

صباح الخير يا ماجد
صباح الخير
قم اقرأ سورة العائد
وحث السير
الى وطن فقدناه
بحادث سير
*درويش
شكرا يا ايلي على المقال الجميل