فرصة أخرى ضائعة (3)

محمد زبيب
يمكن الجزم بأن «توافق الدوحة» سيساهم، بشكل أو بآخر، في ترسيخ الأوضاع النقدية والمالية الاستثنائية القائمة منذ سنوات طويلة، وهذا لا يعني أن الحديث عن «الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية» كان غائباً كلياً عن حوارات ممثلي المذاهب وقواها وأحزابها وشخصياتها في العاصمة القطرية، إلا أن ما تم التوافق عليه في الإعلان الصادر في نهاية هذه الحوارات، لم يأت على ذكر هذا النوع من «الإصلاحات» أبداً، وبالتالي لم يجر التعامل معها كعناصر سجالية أو خلافية، أو كملفات تحتاج إلى «توافقات» إضافية مغايرة لما هو قائم بالفعل على أرض الواقع.
لا بل بالعكس، هناك من يسرّب أن المتحاورين في جلساتهم الجانبية، أكّدوا التزامهم المطلق ببرنامج الحكومة الذي وضعته في اجتماع باريس 3، بما في ذلك الالتزام بالعلاقة الملتبسة مع صندوق النقد الدولي، وأهدافها الرامية إلى التأسيس لبرنامج تدخّل «تقليدي» يتوّج «النجاحات» المحققة في تنفيذ شروط برنامج المساعدة الطارئة لما بعد الحروب والكوارث الذي صُمّم لعام 2007، كشرط مسبق لتحريك الكثير من التعهدات التمويلية المقررة.
إذا صحّت هذه التسريبات، فإن الطبقة السياسية تكون قد أكّدت مرّة أخرى أن خطاب بعض أركانها «المعترض» على سياسات وأدوات محددة، ليس إلا خطاباًَ يحاول استخدام المسألة الاقتصادية كسلاح «تهديد» في مواجهة الخصوم السياسيين في لحظات من الأزمات المحتدمة... أي إن الاعتراض على خصخصة الهاتف الخلوي، والمطالبة بالعدالة الضريبية، والسعي إلى إعادة ترميم القدرات الشرائية للبنانيين، ومحاسبة الفاسدين، وتعزيز القدرات التنافسية لمؤسسات الاقتصاد الحقيقي... ليست إلا «مناورة بالنار» لا تعبّر إطلاقاً عن وجود برامج أو تطلعات بديلة، بقدر ما تعبّر عن «تسليم» بأن المسألة الاقتصادية هي من حصّة الفريق الذي تمّ تلزيمه إياها منذ بداية التسعينيات، في ظل الوصاية السورية.
انطلاقاً من ذلك، يصحّ القول إن الالتزام السابق بالنموذج القائم، وتأكيد الالتزام حالياً وفي المرحلة المقبلة، جاء في إطار «المقايضات»، أو ما سمّي بـ«جوائز الترضية»، أو «التعويض» عن «الجرح» الذي أصاب «الحريرية» في الأحداث الأخيرة.
كل ذلك لا يعبّر عن وعي أو إدراك بظهور عناصر جديدة في المسألة الاقتصادية والاجتماعية، وهي عناصر تحتاج إلى أدوات وأفكار مغايرة لمواجهتها، فأسعار النفط ترتفع بوتيرة مقلقة، والقدرات الشرائية للبنانيين خسرت أكثر من 70 في المئة من جراء موجات التضخم المستورد والمصطنع منذ عام 2006، والأسعار العقارية والأكلاف عموماً ارتفعت بوتيرة لم تعد تسمح بانطلاق الاقتصاد بوتيرة ثابتة، وعجز الكهرباء يزداد ويهدد بالتعتيم الشامل، وتنامي الهجرة بات يهدد بانقلابات ديموغرافية لا يمكن حسابها...
هذه العناصر كان يجب أن تشجّع أركان الطبقة السياسية على التغيير الاقتصادي، باعتباره لم يعد من الكماليات، وتبعدهم عن تجديد الرهانات على الاستفادة، ولو المتأخّرة، من الفوائض النفطية، التي لن تؤدي إلا إلى زيادة الاختلالات البنيوية.


عدد السبت ٢٤ أيار ٢٠٠٨