كأن الشوق وحده دفعهم إلى بيروت

لا تتسع بيروت للجميع. تختار نازحيها. ربما هم يختارونها. يختلف نازحو بيروت السوريون عن باقي المناطق وخصوصاً الشمال والبقاع. هرع الفقراء إلى الأطراف، فيما لم يفكر ميسورو الحال وذوو الطبقة الوسطى بغير بيروت مقصداً لهم، باستثناء بعض الذين اختاروا مدن الاصطياف.

يعرف السوريون أنهم أنقذوا لبنان من موسم سياحي ضعيف. يصرّ أحد ميسوري الحال على استخدام عبارة النازحين السوريين وليس اللاجئين. سيارات دمشق باتت جزءاً لا يتجزأ من مشهد المدينة. أغلق الباب في وجه عائلة لبنانية كانت تبحث عن شقة للإيجار في كورنيش المزرعة. أخبرتها إحدى القاطنات في المنطقة بأن الشقق الفارغة باتت من نصيب النازحين السوريين وحدهم. في أحد الزواريب المتفرعة من جامع عبد الناصر، تقطن إحدى العائلات السورية. يكاد صراخ الأطفال يكون مدوّياً من خلف الباب الحديدي. لا يتوقف، كأنه دليلك إلى «تشرد العائلة». للصراخ هويته أيضاً. ترفض الأم فتح الباب. تقول إنها مشغولة بغسل الثياب وليس لديها ما تقوله. لا شيء. المنطقة التي نزحت منها، إيجار الشقة، وضع العائلة النفسي، مدة البقاء المتوقعة، مدارس الأطفال. تصرّ على انشغالها قبل أن تعرض القدوم يوم الأحد حين يأتي زوجها، من دون أن تبوح بمكانه. تخبرنا جارتها اللبنانية أن تلك السيدة نزحت من حمص. كانت تعيش في منزل كبير اخترقته قذيفة وقسمته نصفين. لا تحكي شيئاً وتكتفي بالبكاء. تقول إنهم يخشون التكلم. حتى وساطتها لن تنفع. هذه العائلة تدفع حوالى خمسمئة دولار مقابل شقة صغيرة مؤلفة من ثلاث غرف.
شقة أخرى غير بعيدة تقطنها عائلة سورية أيضاً. نقرع الباب مراراً قبل أن يطل جار سوري أيضاً، قصد لبنان قبل بدء الأحداث للعمل. ليخبرنا أنهم «متشددون» بعض الشيء ولن يفتحوا الباب. في المبنى نفسه، تقطن عائلتان سوريتان أيضاً في الطبقة الثالثة. كأن للتهجير رائحة واحدة لا تختلف بين البيوت الثلاثة. يباغت طفل أمه ويفتح الباب قبل أن تأذن له. كان الجميع يجلسون على الأرض في الممرّ الضيق الذي يصل بين الغرف. الزوجان في العمل. استأجرا البيت بثلاثمئة دولار. لا غرفة جلوس أو أسرّة أو ألعاب. تقول إحدى السيدتين إنهما جاءتا إلى لبنان للمّ شمل العائلة. صحيح أنهما تقطنان إحدى القرى القريبة من حمص، لكنهما ترفضان تغيير عبارة «لا شيء هناك». ترفضان الحديث عن أي شيء. لا ماض ولا مستقبل. كأن الشوق وحده دفع بهما إلى لبنان.
يشكّل هؤلاء نسبة ضئيلة من عدد الوافدين إلى بيروت، إذ تنتمي الغالبية إلى الطبقة الميسورة، ولا مانع لدى أبنائها من العيش في غرفة أو «سويت» في فندق مدة عام أو أكثر. يجمع هؤلاء الخوف، لذلك رفض كثيرون التحدث عن واقعهم، رغم التطمينات بأنه لن يتم طرح أسئلة سياسية. لا تستغرب عائلة سورية هربت في اليوم الثاني لتفجير دمشق هذا الخوف الذي «اعتدنا عليه منذ خمسين عاماً». تنتمي هذه العائلة إلى الطبقة الوسطى. قرّرت الهروب إلى لبنان لأن ضواحي دمشق مشتعلة، وبدأت بعض الموارد الغذائية تتعثر في الوصول إليهم. خشوا الحصار. لم يرتادوا فندقاً أو يبحثوا عن شقة مفروشة. لجأوا إلى أقاربهم الذين أصروا عليهم للمجيء. لكن إذا طالت الأزمة سينتقلون إلى قطر، حيث يعيش ابنهم. لا يريدون أن يثقلوا على أقاربهم.
تعيش هذه العائلة من الإيجارات. معظم المستأجرين من الأجانب الذين ترك عدد كبير منهم منازلهم. بقيت بعض العائلات الروسية (تقع الشقق في مقابل المركز الثقافي الروسي). وبعد خروجهم أيضاً، ستعتمد العائلة على الابن الوحيد للعيش. تبدو الزوجة عاتبة أو غاضبة من السيد حسن نصر الله. تقول: «الشعب هو الذي احتضن اللبنانيين أثناء حرب تموز وليس النظام». أيدت العائلة النظام في بداية الأزمة قبل أن تقلب وجهتها «من منطلق إنساني». لكن الخوف كان دافعها الوحيد إلى الهروب.
حتى بعد التأكيد مراراً على عدم نشر أي أسماء، لا يتوقف المتحدثون عن التذكير بالأمر. الصور مرفوضة تماماً. أحد الذين التقيناهم في فندق «مد تاون» في الحمرا عاد واتصل بأصحاب الفندق ليتأكد من عدم نشر الأسماء. هذا الرجل نجح في تأسيس شركة في لبنان، ويستعد لاستقدام عائلته في حمص. برأيه، «الوضع سيئ حالياً وسيكون أسوأ في حال سقوط النظام». لذلك، قرر الانتقال بصورة نهائية. لجأ عدد كبير من العائلات السورية الميسورة إلى هذا الفندق الذي خفض سعر الليلة إلى النصف، وأكثر في بعض الحالات، بطلب من صاحب الفندق السوري الجنسية. في المقابل، ينفي مدير فندق «كراون بلازا» وجود هذا «الكم» من النازحين الذي تتحدث عنه وسائل الإعلام، أقله في فندقه. لا يلغي ذلك نزوح الكثيرين، وخصوصاً عائلات الضباط كما يؤكد أحد النازحين. لذلك أيضاً، خشي معظمهم الكلام.

الأكثر قراءة

محتوى موقع «الأخبار» متوفر تحت رخصة المشاع الإبداعي 4.0©2025

.يتوجب نسب المقال إلى «الأخبار» - يحظر استخدام العمل لأغراض تجارية - يُحظر أي تعديل في النص، ما لم يرد تصريح غير ذلك

صفحات التواصل الاجتماعي