في عكار: الأعداد وجهة نظر

روبير عبد الله
الخميس 26 تموز 2012
الخط
انقضت سنة وأربعة أشهر على اندلاع الأحداث في سوريا. في مطلع تلك الأحداث بدا ملف النازحين السوريين إلى لبنان، وبالتحديد إلى الشمال وعكار، شائكاً، ويضاعف من أزمات التهميش التي يعانيها العكاريون أصلاً، إذ إن عدداً من سكان المناطق الحدودية اللبنانيين، نزحوا أيضاً من قراهم باتجاه مناطق أكثر أمناً. هكذا يصف سعود سقر، مختار قشلق، الواقعة على الحدود السورية، حال أهالي قريته الذين «لا ينامون الليل من أصوات القذائف التي تسقط على أطراف القرية».
ويضيف إن بعض أهالي قشلق انتقلوا للعيش عند أقاربهم خوفاً من القصف، وبعضهم الآخر استأجر بيوتاً في بلدات بعيدة مثل حلبا وتلعباس. «وللأسف، لم نسمع اتصالاً واحداً من مرجع يطمئننا، فلمن نشكو؟».
قرى وبلدات حدودية كثيرة حلّت في نشرات الأخبار اليومية، بعدما كانت مغمورة بالإهمال على مدى عقود من عمر الدولة اللبنانية: النورا، الدبابية، قشلق في الدريب الأوسط، صعوداً نحو وادي خالد، وقرى مغمورة أخرى، مثل بني صخر وخط البترول والعوادة وغيرها. تقابلها على المقلب الآخر قرى مشابهة، مثل حلات، والعويشات والحصن، وصولاً إلى بلدات كبيرة مثل تلكلخ والقصير.
المعابر والممرّات إلى هذه القرى، أصبحت فجأة مزروعة بالألغام ومحمية بالدبابات «ما بين الشعب الواحد في البلدين». أرقام النازحين السوريين إلى لبنان وجهات نظر متباعدة. المؤيد للنظام السوري عدّ النازحين بالمئات، أما ما فاض عنهم، فهم في زيارات لأقارب وأصدقاء في لبنان. والمعارض تجاوز رقمه الخمسين ألفاً، محتسباً في ذلك آلاف العمال السوريين الذين لطالما كان يعدّهم عبئاً على الاقتصاد اللبناني. الإرباك هذا طاول حتى المؤسسات الرسمية اللبنانية. ففي مقابلة مع رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية في محافظة عكار جورج أيدا، اعتبر أن عدد النازحين إلى عكار والشمال يراوح بين 18 و20 ألف نازح، لكن أيدا يضيف معطى يطيح الأرقام التي أدلى بها، إذ يقول: «الحديث هو عن النازحين المسجلين رسمياً، علماً بأن هناك نازحين غير مسجّلين، ومسجّلين غير نازحين». أما تقدير واقع النزوح الفعلي، والفصل في أسبابه، فهو طموح صعب المنال والتحقق، وخصوصاً أن عدد مراكز إيواء النازحين في الشمال يقتصر على ثلاث مدارس في الرامة والعوادة (وادي خالد) وفي مشتى حمود.
بدأت حركة النزوح إلى وادي خالد في 15 آذار 2011، إذ رصدت المراكز التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية «قدوم بعض العائلات للمبيت عند أقرباء لها في وادي خالد مساء الخميس، لتعود إلى منازلها بعد صلاة الجمعة». واستمر الوضع على هذا المنوال حتى 15 أيار 2011. يومها نزح نحو خمسة آلاف شخص من تلكلخ. جرت إغاثتهم بالتنسيق بين وزارة الشؤون الاجتماعية ومفوضية شؤون اللاجئين والهيئة العليا للإغاثة. وعلى أثر ذلك، تشكل فريق عمل من وزارة الشؤون الاجتماعية قوامه 27 مختصاً في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، أخضعوا لدورات تدريبية للتعامل مع النازحين، كما شُكّل فريقا عمل في كل من مركزي الشؤون الاجتماعية في العماير (وادي خالد) والبيرة. ويتكون كل فريق من مندوب عن كل من «الشؤون الاجتماعية» والهيئة العليا للإغاثة ومفوضية شؤون اللاجئين، بالتنسيق مع المخاتير ورؤساء البلديات. وجرى التفاهم على أن تتولى الوزارة إحصاء النازحين وتسجيلهم، والدعم النفس ــ اجتماعي والرعاية الصحية الأولية في مراكزها الـ19 المنتشرة في عكار. أما الهيئة العليا ومفوضية اللاجئين، فتولتا مهمة توزيع المواد الغذائية. وبعد موافقة وزارة التربية، جرى استقبال من يرغب من أبناء النازحين في المدارس الرسمية، وقد بلغ عدد الطلاب 345، تكفلت مفوضية اللاجئين بدفع رسوم تسجيلهم وثمن الكتب والقرطاسية. وتتحضر منظمة غوث الأطفال التابعة للأمم المتحدة لتغطية تعليم ألف ومئتي طالب في المدارس الرسمية العام المقبل. هذا من الناحية النظرية، لكن أرض الواقع تفصح عن تفاوتات في ظروف النازحين. فبينما يرى مختار المجدل في وادي خالد مصطفى الرجو أن الهيئة العليا للإغاثة ومعها الجمعيات الخيرية لم تقصّر في إغاثة النازحين، علماً بأن 150 عائلة جديدة نزحت إلى وادي خالد في الأحداث الأخيرة، يتحدث مدير ثانوية النهضة الخاصة في أكروم علي اسبر عن أسر لم تتمكن من الحصول على مادة الحليب، فاضطر إلى مساعدتها على نفقته، وعمل على توفير تقديمات أخرى من جمعية «ضوء» التي ينتسب إليها. والجمعية تندرج ضمن اتحاد الجمعيات المهتمة بمساعدة النازحين. ويضيف اسبر إنه في شهر رمضان، وبعد ارتفاع عدد الأسر النازحة إلى بلدة أكروم وحدها إلى 60 عائلة، بلغ العدد الإجمالي للأسر النازحة إلى جبل أكروم 130 عائلة، وإذ عمد مدير المدرسة إلى استقبال تلميذين في مدرسته «من دون تغطية من أحد»، يتساءل عن مصير الطلاب النازحين في العام الدراسي المقبل. وبالمقابل يتحدث مختار قشلق عن المتاجرة بالنازحين بقوله «يأكلون ثلاثة أرباع المساعدات ويوزعون الباقي على النازحين».
أما في البلدات العكارية المسيحية، ومنها بلدة عندقت، فينظر البعض بريبة إلى حركة النازحين بالإشارة إلى وجود نساء محجبات بينهم، لكن البعض الآخر يعبرون عن حسن الظن بهم، فهنّ زوجات وبنات العمال الذين مضى على عملهم في البلدة زهاء 20 سنة. وفي القبيات يرحبون بالعدد القليل من النازحين باعتبارهم «منا وفينا» أي من الطائفة نفسها. وفي بلدة منجز، لا يوجد نازحون باستثناء عائلة واحدة من بلدة عزير، يقول مختار البلدة طاني أنطونيوس إنها رفضت وضعها في قائمة النازحين.
ويضيف إن بعض أهالي قشلق انتقلوا للعيش عند أقاربهم خوفاً من القصف، وبعضهم الآخر استأجر بيوتاً في بلدات بعيدة مثل حلبا وتلعباس. «وللأسف، لم نسمع اتصالاً واحداً من مرجع يطمئننا، فلمن نشكو؟».
قرى وبلدات حدودية كثيرة حلّت في نشرات الأخبار اليومية، بعدما كانت مغمورة بالإهمال على مدى عقود من عمر الدولة اللبنانية: النورا، الدبابية، قشلق في الدريب الأوسط، صعوداً نحو وادي خالد، وقرى مغمورة أخرى، مثل بني صخر وخط البترول والعوادة وغيرها. تقابلها على المقلب الآخر قرى مشابهة، مثل حلات، والعويشات والحصن، وصولاً إلى بلدات كبيرة مثل تلكلخ والقصير.
المعابر والممرّات إلى هذه القرى، أصبحت فجأة مزروعة بالألغام ومحمية بالدبابات «ما بين الشعب الواحد في البلدين». أرقام النازحين السوريين إلى لبنان وجهات نظر متباعدة. المؤيد للنظام السوري عدّ النازحين بالمئات، أما ما فاض عنهم، فهم في زيارات لأقارب وأصدقاء في لبنان. والمعارض تجاوز رقمه الخمسين ألفاً، محتسباً في ذلك آلاف العمال السوريين الذين لطالما كان يعدّهم عبئاً على الاقتصاد اللبناني. الإرباك هذا طاول حتى المؤسسات الرسمية اللبنانية. ففي مقابلة مع رئيس دائرة الشؤون الاجتماعية في محافظة عكار جورج أيدا، اعتبر أن عدد النازحين إلى عكار والشمال يراوح بين 18 و20 ألف نازح، لكن أيدا يضيف معطى يطيح الأرقام التي أدلى بها، إذ يقول: «الحديث هو عن النازحين المسجلين رسمياً، علماً بأن هناك نازحين غير مسجّلين، ومسجّلين غير نازحين». أما تقدير واقع النزوح الفعلي، والفصل في أسبابه، فهو طموح صعب المنال والتحقق، وخصوصاً أن عدد مراكز إيواء النازحين في الشمال يقتصر على ثلاث مدارس في الرامة والعوادة (وادي خالد) وفي مشتى حمود.
بدأت حركة النزوح إلى وادي خالد في 15 آذار 2011، إذ رصدت المراكز التابعة لوزارة الشؤون الاجتماعية «قدوم بعض العائلات للمبيت عند أقرباء لها في وادي خالد مساء الخميس، لتعود إلى منازلها بعد صلاة الجمعة». واستمر الوضع على هذا المنوال حتى 15 أيار 2011. يومها نزح نحو خمسة آلاف شخص من تلكلخ. جرت إغاثتهم بالتنسيق بين وزارة الشؤون الاجتماعية ومفوضية شؤون اللاجئين والهيئة العليا للإغاثة. وعلى أثر ذلك، تشكل فريق عمل من وزارة الشؤون الاجتماعية قوامه 27 مختصاً في علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع، أخضعوا لدورات تدريبية للتعامل مع النازحين، كما شُكّل فريقا عمل في كل من مركزي الشؤون الاجتماعية في العماير (وادي خالد) والبيرة. ويتكون كل فريق من مندوب عن كل من «الشؤون الاجتماعية» والهيئة العليا للإغاثة ومفوضية شؤون اللاجئين، بالتنسيق مع المخاتير ورؤساء البلديات. وجرى التفاهم على أن تتولى الوزارة إحصاء النازحين وتسجيلهم، والدعم النفس ــ اجتماعي والرعاية الصحية الأولية في مراكزها الـ19 المنتشرة في عكار. أما الهيئة العليا ومفوضية اللاجئين، فتولتا مهمة توزيع المواد الغذائية. وبعد موافقة وزارة التربية، جرى استقبال من يرغب من أبناء النازحين في المدارس الرسمية، وقد بلغ عدد الطلاب 345، تكفلت مفوضية اللاجئين بدفع رسوم تسجيلهم وثمن الكتب والقرطاسية. وتتحضر منظمة غوث الأطفال التابعة للأمم المتحدة لتغطية تعليم ألف ومئتي طالب في المدارس الرسمية العام المقبل. هذا من الناحية النظرية، لكن أرض الواقع تفصح عن تفاوتات في ظروف النازحين. فبينما يرى مختار المجدل في وادي خالد مصطفى الرجو أن الهيئة العليا للإغاثة ومعها الجمعيات الخيرية لم تقصّر في إغاثة النازحين، علماً بأن 150 عائلة جديدة نزحت إلى وادي خالد في الأحداث الأخيرة، يتحدث مدير ثانوية النهضة الخاصة في أكروم علي اسبر عن أسر لم تتمكن من الحصول على مادة الحليب، فاضطر إلى مساعدتها على نفقته، وعمل على توفير تقديمات أخرى من جمعية «ضوء» التي ينتسب إليها. والجمعية تندرج ضمن اتحاد الجمعيات المهتمة بمساعدة النازحين. ويضيف اسبر إنه في شهر رمضان، وبعد ارتفاع عدد الأسر النازحة إلى بلدة أكروم وحدها إلى 60 عائلة، بلغ العدد الإجمالي للأسر النازحة إلى جبل أكروم 130 عائلة، وإذ عمد مدير المدرسة إلى استقبال تلميذين في مدرسته «من دون تغطية من أحد»، يتساءل عن مصير الطلاب النازحين في العام الدراسي المقبل. وبالمقابل يتحدث مختار قشلق عن المتاجرة بالنازحين بقوله «يأكلون ثلاثة أرباع المساعدات ويوزعون الباقي على النازحين».
أما في البلدات العكارية المسيحية، ومنها بلدة عندقت، فينظر البعض بريبة إلى حركة النازحين بالإشارة إلى وجود نساء محجبات بينهم، لكن البعض الآخر يعبرون عن حسن الظن بهم، فهنّ زوجات وبنات العمال الذين مضى على عملهم في البلدة زهاء 20 سنة. وفي القبيات يرحبون بالعدد القليل من النازحين باعتبارهم «منا وفينا» أي من الطائفة نفسها. وفي بلدة منجز، لا يوجد نازحون باستثناء عائلة واحدة من بلدة عزير، يقول مختار البلدة طاني أنطونيوس إنها رفضت وضعها في قائمة النازحين.
