كارتيل النفط يستعدّ للعودة إلى سوق المازوت والفيول أويل
محمد زبيب
وصلت مخزونات المازوت والفيول أويل لدى مؤسسة كهرباء لبنان إلى الخط الأحمر، ولم تعد الكميات المتاحة تكفي إلا لأيام معدودة... لماذا؟ لأن الاعتمادات المالية لتفريغ البواخر المتوقفة في البحر لا تفتح إلا في اللحظات الأخيرة
يتساءل الكثير من المراقبين عن السبب الحقيقي الكامن وراء سلوك وزارة المال ومصرف لبنان في شأن فتح الاعتمادات المالية لبواخر المازوت والفيول أويل المخصصة لمؤسسة كهرباء لبنان... فهذه البواخر تأتي إلى المياه الإقليمية اللبنانية وفقاً لجداول زمنية معدّة سلفاً، وبما يتماشى مع الحاجات الملحّة لمعامل الإنتاج،أي أن وصولها «مجدول» بما يغطّي الحاجات التشغيلية الراهنة، من دون أي اعتبار لضرورة الإبقاء على مخزونات احتياطية تكفي لمدة معينة في مواجهة أي طارئ!
ويقول العارفون إن تأخير تفريغ أي باخرة في خزّانات المعامل، يعني تلقائياً زيادة في ساعات التقنين، لأن المؤسسة ستضطر تلقائياً إلى خفض الإنتاج تبعاً لانخفاض المخزون من الوقود المطلوب لتشغيل المجموعات في هذه المعامل.
وعلى الرغم من هذه الحقيقة المعروفة، فإن البواخر المحمّلة بالوقود المطلوب تقف في عرض البحر لأيام وأسابيع وأحياناً لشهور، من دون أن تستطيع التفريغ بسبب امتناع وزارة المال ومصرف لبنان عن فتح الاعتمادات المالية، علماً بأن ذلك شرط مسبق للتفريغ بموجب الاتفاقيات الموقعة من دولة الى دولة بين لبنان وكل من الكويت والجزائر.
ومثالاً على هذا السلوك، فقد عمد مصرف لبنان أمس إلى فتح الاعتمادات لثلاث بواخر محملة بمادتي المازوت والفيول أويل، كانت متوقفة منذ اسابيع على مقربة من معامل الإنتاج في الزوق والزهراني، ولم يفعل مصرف لبنان ذلك إلا بعدما علت «الصرخة»، إذ إن ما بقي لدى المؤسسة من هاتين المادتين لم يكن يكفي لتشغيل المعامل الا حتى يوم الثلاثاء المقبل، وبالحد الأدنى من توزيع التيار الكهربائي، علماً أن هذا الوضع ترافق مع استحالة تفريغ المازوت في خزانات معمل دير عمار بسبب أحداث مخيم نهر البارد، وهو ما اضطر المؤسسة إلى إيصال المازوت إلى هذا المعمل بواسطة الصهاريج المنقولة من منشآت النفط في الزهراني، وبالتالي خفض إنتاجه من 410 ميغا واط الى 125 ميغا واط و«الحبل على الجرار»، إذ إن المعلومات تؤكد أن هذا المعمل الذي يغطي ثلث الطاقة المنتجة في لبنان سيتوقف عن العمل نهائياً بعد 6 أيام فقط.
والجدير بالإشارة أن الامتناع عن فتح الاعتمادات لأي باخرة، لا يؤثر فقط على التغذية بالتيار الكهربائي، بل يرتب أيضاً أعباء اضافية على الخزينة العامة، إذ إن الدولة تضطر إلى دفع نحو 25 ألف دولار عن كل يوم تأخير، وتفيد الحسابات بأن متوسط انتظار الباخرة في البحر يصل الى 21 يوماً، أي أن الدولة تدفع من جيوب مواطنيها نحو 525 ألف دولار كلفة إضافية على استيراد كل باخرة محملة عادة بنحو 32 ألف طن، بمعدل يتجاوز 16 دولاراً لكل طن واحد.
هذا السلوك الذي يرسم علامات استفهام كبيرة، بدأت أسبابه تتضح شيئاً فشيئاً، وهناك ثلاثة تفسيرات له:
الأول ـــــ أن وزارة المال، والحكومة عموماً، تسعى الى خفض تحويلاتها إلى مؤسسة الكهرباء عبر إجبارها على زيادة التقنين في المناطق من خلال فرض أزمة محروقات متواصلة.
الثاني ـــــ إن مصرف لبنان يرفض فتح اعتمادات بالعملات الأجنبية لمصلحة وزارة المال من دون أن تقابلها حسابات تغذّيها الوزارة بالعملات الأجنبية أيضاً، وهذا التدبير يندرج في إطار أولوية السياسة النقدية التي اعتاد عليها الحاكم رياض سلامة.
الثالث ـــــ وهو بيت القصيد، إذ يجري تهيئة الأساس لعودة كارتيل النفط المحلي للسيطرة على سوق المازوت والفيول أويل عبر المناقصات التي كانت تجريها وزارة الطاقة لتغطية حاجات مؤسسة الكهرباء والسوق.
وتقول مصادر مطلعة إن «حماة» هذا الكارتيل بدأوا بتسويق مناخ العودة عبر الثغر الكثيرة التي تعتري الاتفاقيات مع الكويت والجزائر، ولا سيما لجهة ارتفاع الكلفة، واشتراط عدم التفريغ إلا بعد فتح الاعتمادات، فيما كانت سيطرة الكارتيل سابقاً تمنح الحكومة هامش تأخير في الدفع متفق عليه مع الشركات ثمناً للتواطؤ بين الطرفين.
لقد أبلغت الجزائر المعنيين رغبتها في تعليق تنفيذ الاتفاق معها بسبب «سوء إدارة تنفيذ العقد»، أي التأخير المتمادي في فتح الاعتمادات، وقد تلجأ الكويت إلى القرار نفسه قريباً، وهذا يعطي فرصة للكارتيل من أجل العودة في هذه اللعبة المكشوفة جداً.





