التفكُّر حول لبنان في حلقة كوسران
جان عزيز
قبل يومين، عادت الحلقة التي أطلقها جان ـــــ كلود كوسران في باريس في حزيران الماضي، للالتئام في بيروت هذه المرة، ودائماً حول عنوان عريض «التفكُّر حول لبنان». كان السفير الفرنسي السابق، ومهندس لقاءات سان كلو، ومعه معاونوه في الأكاديمية الدبلوماسية الدولية التي يرأسها حالياً، قد أتمّ جولة أولية على عدد من المسؤولين، بعيداً عن الإعلام. وكانت الانطباعات المحصّلة بسيطة: إمّا حكومة الآن، وإمّا ترحيلها إلى موعد بعيد بعيد... ومن هنا دار النقاش، حول الخلفيات والحيثيات والكيف واللماذا؟
رأي أول مطروح ضمن الحلقة، كان يرى في التأخير المنهجي الحاصل في تأليف الحكومة مؤشراً متعمّداً ومقصوداً، حول «عطوبة» اتفاق الطائف، أو على الأقل عدم الرضى عنه، والسعي إلى تعديله. أصحاب هذا الرأي يرون أن وراء التأخير فعلياً، ثنائي عون ـــــ حزب الله. وهو ثنائي معترض على تركيبة الطائف منذ ولادتها. وإن كان الجنرال لم يسقط «فاصلته» الشهيرة حول الوثيقة، وإن كان «الحزب» قد طوى، شكلاً، بيانه «فواصله» الكثيرة حول مضمونها ودستورها. تالياً، يرى أصحاب هذا الرأي أن طرفي تفاهم مار مخايل متوافقان على إظهار عجز هذا النظام، وعلى تأكيد شلله الداخلي. وإذا كانا غير قادرين على قول ذلك علناً وممارسة مباشرة، فهما يعمدان إلى برهنته في الواقع العملي: نظام يعلّق انتخاباته الرئاسية عشرة أشهر، ويتعطّل تأليف حكومته خمسة أشهر، وتتعثّر كل خطوة دستورية أو قانونية فيه، هو نظام يدعو حكماً إلى إعادة النظر فيه.
في المقابل، تبرز ضمن الحلقة نفسها وجهة نظر ثانية، تميل أكثر نحو الأسباب الخارجية. يقول أصحابها إن كل شيء في لبنان الآن، موقّت، لأن المواعيد الأساسية للأحداث الكبرى لم تحدد بعد. فالمسعى التركي لتوليد «النيو ـــــ عثمانية» لا يزال ضبابي المضمون والمنحى. وخط بدايات الحوار بين واشنطن وطهران لم تتّضح احتمالاته بعد، بمعزل عن التنبؤ بنهاياته، والتقارب السعودي ـــــ السوري في هيوليّته، ليس غير تعبير عن تلك الخطوات غير النهائية. ذلك كله يشير إلى أن ثمّة أشهراً ستة أو ما يقاربها ستمضي قبل أن تنجلي الأمور على تلك الأصعدة. وفي هذه الأثناء، كل ما يجري في المنطقة ودولها، ولبنان من ضمنها، لن يكون غير تجارب أو جسّ نبض أو بالونات اختبار، أو نماذج موثّقة للقياس وتكوين فكرة أوليّة. لذلك، يرى أصحاب هذا الرأي أنه مهما كانت الاحتمالات الحكومية الراهنة ـــــ تأليفاً، أو تعطيلاً ـــــ ستظل المرحلة اللبنانية الحالية موقّتة وانتقالية، في انتظار الربيع المقبل.
ماذا في الربيع؟ إنه موعد الفصل بين احتمالين: المواجهة الكبرى، أو البازار الكبير. والاحتمالان مطروحان على معسكري اللعبة المحلية والإقليمية والدولية. فإذا اتّجهت المنطقة صوب البازار، يتعزّز أكثر منطق وليد جنبلاط داخل الأكثرية. أما إذا بدت المواجهة أكثر ترجيحاً، فسيعلو أكثر عندها صوت سمير جعجع. في حالة الصفقة الشاملة، سيأخذ ميشال عون أكثر ممّا تنازلوا له الآن. وفي حالة العكس، يشتد المأزق، حتى لو قرر هو التنازل. وفي الانتظار، أي تسوية لن تكون غير مرحلية، وأي حكومة لن تكون غير هيئة موقّتة لإدارة الأزمة.
رأي ثالث يجد مكاناً له بين النظريتين العامتين: إنها الديموقراطية التوافقية اللبنانية، أي مجموع التعقيدات والتشابكات والارتباطات الدستورية والأعرافية والواقعية، غير القابلة لأي قولبة دستورية نصيّة. ففي النهاية هذه التوافقية اللبنانية تعني أن تتكوّن حكومة من تحالف أكثريات الجماعات الأساسية، لتقوم قبالتها معارضة مشكّلة من أقليات الجماعات. السنّة والشيعة والدروز حسموا أكثرياتهم وأقلياتهم، وتفاهموا ـــــ إن لم يكن قد تآلفوا ـــــ على تأليف الحكومة. وحدهم المسيحيون تغشّت أكثريتهم، وازدوجت، أو باتت كذلك، فتعطّل النظام. ما هو الحل المتاح: إمّا أن يصير المسيحيون «كليّانيين» مثل الباقين، فنتجه نحو «اللويا جرغا»، وإمّا أن يتحول الآخرون إلى «أنارشية» المسيحيين، فينفتح الوطن على بابلية من الألفية الثالثة...
التفكُّر حول لبنان ضرورة، بقدر ما هو دوامة.







