سفينة الأسلحة فحص إسرائيلي لعلاقة واشنطن بطهران
حزب الله ينفي ويدين: نفى حزب الله «نفياً قاطعاً»، بعد أقلّ من 24 ساعة على إعلان إسرائيل اكتشافها وقرصنتها باخرة حربية تحمل أسلحة من إيران متجهة إلى سوريا، ومنها إلى حزب الله، أيّ علاقة له بـ«الأسلحة التي يدّعي العدو الصهيوني أنه صادرها من على سفينة فرانكوب». وأدان الحزب «القرصنة الإسرائيلية في المياه الدولية». (عساف رافيتز ـــ رويترز) ما كان يمكن إسرائيل أن تفعل أكثر مما فعلته أمس لتعويم ما زعمت أنه ضبطٌ لتهريب سلاح. حفلة دعائية شاركت فيها قيادة الدولة العبرية في إخراجٍ بدا الحرص فيه واضحاً على خطف الأضواء من مناقشة تقرير غولدستون في الأمم المتحدة وحرف الأنظار باتجاه «جريمة الحرب الحقيقية»، كما وصفها بنيامين نتنياهو
محمد بدير
إذا كانت تل أبيب لم تُخفِ خيبتها جراء الأصناف التقليدية للسلاح الذي قالت إنها صادرته على متن «فرانكوب»، والذي أجمع المعلقون المختصون فيها على أنه لا يمثّل إضافة جوهرية إلى ترسانة حزب الله كمّاً ونوعاً، إلا أن ذلك لم يمنعها من المضي نحو النهاية في استثمار الحادثة التي سقطت عليها، كما عبّرت صحيفة «معاريف»، كـ«هدية من السماء» لجهة تزامنها مع حملات المرافعة التي وجدت نفسها مضطرة إليها أمام المجتمع الدولي لتثبيت براءتها من تهم ارتكاب جرائم بحق الإنسانية.
ولأن هذا البعد الدعائي بالذات، كان الأهم بالنسبة إلى إسرائيل في عملية «الأجناس الأربعة»، كان لا بد من أن تكون رافعته السياسية من الوزن الثقيل، وعلى مستوى الطبقة العليا في القيادتين السياسية والأمنية لإعطاء الزخم المطلوب للرسالة المطلوب إيصالها. وهذا ما حصل فعلاً. ففي خطوة تذكّر بما قام به رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أرييل شارون، غداة إعلان تل أبيب احتجازها سفينة «كارين إي» المشهورة عام 2002، عقد خلفه الحالي في المنصب، بنيامين نتنياهو، مؤتمراً صحافياً أمس في مقر وزارة الدفاع بتل أبيب أفصح فيه عملياً عن الربط الذي تنشده إسرائيل في موضوع السفينة. فبعدما وصف عملية تهريب السلاح على السفينة بـ«جريمة حرب»، دعا نتنياهو المجتمع الدولي إلى التحرك ضد الجهة المسؤولة عنها، وهي إيران التي «تساعد حزب الله على الإعداد لجولة ثانية من القتال».
وعلى خلفية صور السلاح المصادر من السفينة، التي حفلت وسائل الإعلام العبرية ببثها أمس، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي أن «السفينة كانت محمّلة كمية ضخمة من السلاح، معظمها صواريخ، كان يفترض أن تصل إلى حزب الله»، مضيفاً أن «هدف هذه الصواريخ هو قتل أكبر عدد من المدنيين». لذلك، إن «الحديث هو عن جريمة حرب، وكان ينبغي للهيئة العامة للأمم المتحدة أن تحقق بها وتدينها، وحتى أن تعقد جلسة خاصة لبحثها، إلا أنها تجتمع عوضاً من ذلك لكي تدين إسرائيل».
وشارك في المؤتمر الصحافي، الذي أعقب اجتماعاً اطّلع فيه نتنياهو على تفاصيل عملية القرصنة من ضباط الجيش، كل من وزير الدفاع، إيهود باراك، ورئيس الأركان، غابي أشكنازي، وقائدا سلاح الاستخبارات، عاموس يدلين، والبحرية، إيلي ميروم.
وشدد باراك على استمرار الجيش الإسرائيلي في العمل ضد عمليات تهريب السلاح التي «ليست لدينا أوهام بأنها ستستمر»، فيما لفت أشكنازي إلى الدور الذي قام به الموساد في العملية والذي لولاه «لما وُجدت معلومات استخبارية دقيقة».
من جانبه، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قال إن تهريب الأسلحة على متن سفينة «فرانكوب»... «مثال واحد فقط على الأذرع الأخطبوطية لإيران»، مشيراً إلى وجود «عدد كبير من الإرهابيين الذين يجرون تدريبات في إيران، وهناك عمليات تهريب تجري في الجو والبحر والبر».
واختار وزير الخارجية الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، دمشق هدفاً لجرعته الخاصة من الهجوم السياسي المرتبط بالسفينة. ورأى رئيس الدبلوماسية الإسرائيلية أن «سوريا اختارت أن تكون إلى جانب الإرهاب»، مشيراً إلى أنّ بإمكانها «سدّ الطريق أمام تهريب الأسلحة إلى جنوب لبنان سداً مطلقاً، لكنها تنفّذ يومياً عكس ذلك».
وذكرت وسائل إعلام إسرائيلية أن ليبرمان أصدر تعليمات للمسؤولين في وزارته بدعوة جميع السفراء في إسرائيل إلى زيارة ميناء أسدود ومشاهدة الأسلحة المهربة وتزويدهم شرحاً عن مفعول كل نوع من هذه الأسلحة.
وعن مدى تأكّد إسرائيل من أن الأسلحة مرسلة إلى حزب الله، قال ليبرمان: «بدون أدنى شك، فقد تعقبنا هذه السفينة وشاهدنا المحاولات التي نفذها الإيرانيون والسوريون وحزب الله لإخفاء ذلك، فقد غيروا المسار ونقلوا (حاويات الأسلحة) من سفينة إلى أخرى، وهناك أكثر من مجرد دليل قاطع على أنها مرسلة إلى حزب الله، كل شيء بما في ذلك وثائق».
وسارعت مندوبة إسرائيل لدى الأمم المتحدة، غابرييلا شاليف، إلى تقديم شكوى بشأن ما وصفته بمحاولة إيرانية لخرق حظر دولي على وصول السلاح إلى حزب الله. وقالت، في رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون: «هذه الانتهاكات الخطيرة تمثّل تهديداً للسلام والأمن، بالإضافة إلى أنها تمثّل خرقاً للالتزامات القانونية الدولية».
وفيما كانت قيادة الجيش الإسرائيلي تعمل على «تحليل الدلالات الاستراتيجية لنجاح عملية الأجناس الأربعة»، شُغلت الصحف العبرية بتقويم النتائج الفعلية لهذا النجاح، ناحيةً نحو التشكيك في تمكن الحكومة الإسرائيلية من استغلال «الفرصة» سياسياً.
ورأى محلّل الشؤون السياسية في صحيفة معاريف، عوفير شيلح، أنّ من غير المرجّح أن تتمكن إسرائيل من استغلال حادثة السفينة، على نحو مشابه لاستغلالها حادثة «كارين اي» عام 2002، «التي ساعدت إسرائيل على دخولها العسكري إلى الضفة الغربية»، مشيراً إلى أن «موقف العالم حيال إيران قد تحدد بالفعل، وكذلك حُددت المصالح التي تدفع أو لا تدفع، كلاً من واشنطن وحلفائها لفرض عقوبات أكثر تشدداً على طهران».
أما صحيفة يديعوت أحرونوت، فقالت إن «الجيش الإسرائيلي حاز تصفيقاً عاصفاً، إلا أن المعركة المقبلة ستكون في الحلبة الدبلوماسية ومحاولة إحراز نجاح دولي، وإلا فإن كثيراً من الصواريخ ستبقى في الميناء، مع قدر قليل جداً من الإنجازات الحقيقية»، مضيفة «إنهم في إسرائيل يأملون أن يدفع أصدقاؤنا في الأمم المتحدة، بأسرع وقت ممكن، لبحث (مسألة السفينة) في مجلس الأمن، ولعل ذلك من شأنه أن يبدد تقرير غولدستون، ويوضح للعالم من هو داوود وجالوت».
وأشار مراسل الصحيفة للشؤون العسكرية، أليكس فيشمان، أن «إسرائيل حاولت في الأشهر الماضية أن تظهر للعالم أدلة، من بينها صور جوية لانفجار مبان في جنوب لبنان، احتوت على مواد متفجرة ووسائل قتالية، إلا أنه لا أحد تأثر، وعرضت كذلك صوراً تُثبت أن حزب الله ينتهك القرار 1701، ولم يسبب ذلك سوى تثاؤب العالم، بل عندما أوقف الأميركيون سفينة ألمانية قبل نحو شهر، وكانت تنقل سلاحاً إيرانياً إلى سوريا، لم يفقد أحد وعيه. وعلى ما يبدو، فإن الجميع قد ملّوا من إسرائيل»، وبناءً على ذلك، شدد المراسل على أنه يجب الانتظار لرؤية كيف «سيترجم النجاح العسكري إلى نجاح سياسي».
الغلّة النهائية
استقرت الحصيلة النهائية لـ«غنيمة» القرصنة الإسرائيلية، على الأرقام الآتية: 2600 صاروخ (107 و 106 و 122 ملليمتر)؛ 3000 قذيفة هاون؛ 20.000 قنبلة يدوية؛ و 500.000 رصاصة من مختلف الأعيرة. وبحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، جرت عملية نقل الأسلحة على متن 32 شاحنة من ميناء أسدود، إلى مخازن تابعة للجيش الإسرائيلي في وسط فلسطين المحتلة، بعد إجراء عملية فحص دقيقة للحاويات، التي بلغت 36 حاوية من أصل 400 كانت على متن السفينة.
وتضاربت الأنباء الإسرائيلية بشأن وجهة استخدام الأسلحة المصادرة، ففيما أشارت مصادر عسكرية إسرائيلية إلى إمكان استخدام وحدات الجيش الإسرائيلي لها، رأت مصادر أخرى إمكان تخصيصها لأهداف البحث العلمي. وكانت السلطات الإسرائيلية قد أعلنت أمس أنها أفرجت عن السفينة وطاقهما المؤلف من 11 بحاراً، بعدما ثبت لديها «على نحو مؤكد» أن لا علاقة لهم «بتهريب» الأسلحة.
القرصنة الإسرائيلية ستتواصل
نقلت الإذاعة الإسرائيلية عن ضابط في سلاح البحرية، قدم نفسه باسم «زيف»، تأكيده أن البحرية الإسرائيلية تعترض بانتظام سفناً يُشتبه في نقلها أسلحة. وأضاف «بصفتي قائد زورق سريع قاذف للصواريخ، لقد أشرفت شخصياً على اعتراض السفينة فرانكوب التي ترفع علم انتيغوا على بعد نحو 180 كلم من سواحل إسرائيل»، مشيراً إلى أنّ الاستعدادات لهذه العملية جرت «منذ أيام، واتخذنا كل الاحتياطات للصعود على متن السفينة»، مؤكداً أن طاقمها وقبطانها كانوا يجهلون طبيعة حمولتها.
وقدّرت مصادر في المؤسسة الإمنية الإسرائيلية في أعقاب اعتراض سفينة «فرانكوب» أن إيران ستعمل على تغيير مسار نقل الأسلحة إلى حزب الله في لبنان. وأقرت المصادر بأنّ التقديرات السائدة الآن هي أن «ضبط السفينة لن يؤدي إلى وقف إمرار شحنات الأسلحة» إلى حزب الله. هذا ولفتت إذاعة الجيش إلى أنه «لا أحد في إسرائيل قادر على معرفة عدد السفن (المحمّلة سلاحاً) التي نجحت في الوصول إلى أيدي حزب الله».







