برّي: وقت طويل أُهدِر كان في الإمكان تفاديه منذ التكليف الأول

نقولا ناصيف
لم يُعِد إخفاق التوصّل إلى اتفاق عام على حكومة الوحدة الوطنية، في الساعات الأخيرة، التأليف إلى الصفر، رغم الأسلوب الذي يستسيغ الرئيس ميشال عون اتباعه في التفاوض. وهو أنه يعود إلى نقطة الانطلاق كلما تعثّرت المراحل المتقدّمة من الحوار والمساعي للتأليف كي يؤكد لمفاوضه تشبّثه بمطالبه، وإصراره على عدم التخلي عنها. بيّنت انطباع الإخفاق هذا موجة تشاؤم رافقت ما ذُكِر من أن الرئيس المكلف سعد الحريري رفض المطلب الأخير لعون، وهو الحصول على حقيبة الاقتصاد بديلاً من حقيبة الثقافة بعدما انتزعت منه حقيبة الشؤون الاجتماعية. واقترن التشاؤم بسبب آخر مفاده أن الجنرال عاد إلى المطالبة بالوزير جبران باسيل على رأس وزارة الاتصالات بعد رفض تعويضه حقيبة الشؤون الاجتماعية بحقيبة الاقتصاد، نظراً إلى «عدم جدوى»(!؟) وزارة الثقافة.
حتى مساء أمس كان إبصار الحكومة الجديدة النور متوقعاً، في تقدير رئيس المجلس نبيه برّي، خلال اليومين المقبلين. وبعدما أزيلت العقبات الرئيسية من طريق التأليف، لم تعد سوى تفاصيل صغيرة تعرقل الاتفاق الكامل بين الحريري وعون، وهو بتّ مصير حقيبة الثقافة التي لا يريدها الجنرال. وبحسب ما سمعه زوار رئيس المجلس، تبدو الحكومة الجديدة أقرب إلى أن تكون، في توزيع الحقائب، مشابهة لحكومة 2008 بعد تهاوي الشروط التي يعتقد برّي أنها أضرّت بالرئيس المكلف أكثر ممّا دعمت تفاوضه مع عون. ويذكر أنه نصح في مرحلة التكليف الأول بإبقاء القديم على قدمه في توزيع الحقائب الرئيسية على الأقل لتسهيل التأليف، فلم يُصغَ إليه. أثير الموضوع مجدّداً في تموز الماضي إبان اجتماعات بيت الدين اثناء إقامة رئيس الجمهورية ميشال سليمان في القصر، وقيل بترك حقيبتي الاتصالات والطاقة لعون. فرفض الطلب حلفاءُ الحريري في قوى 14 آذار. وهكذا في الشهر الخامس يعطي الحريري عون ما كان في وسعه إعطاءه منذ الشهر الأول لتأليف الحكومة والانطلاق بها بزخم كبير. راكم الشروط، وكذلك فعل حلفاؤه حتى الأسبوع الماضي، ولا سيّما القوات اللبنانية التي جزمت برفض إعطاء الجنرال حقيبتي الاتصالات والطاقة، فإذا به يحوزهما نهائياً في عرض الأحد الماضي، وينتقل الجنرال مجدّداً مع مفاوضيه إلى جولة أخرى.
يقول برّي لزواره أيضاً إن وقتاً طويلاً أهدر كان في إمكان الحريري تفاديه للحؤول دون تعطيل السلطتين الإجرائية والاشتراعية، وعدم التعاطي مع عون على أساس أن من السهل تجاهله والانتصار عليه. يعزّز وجهة النظر هذه بالقول إن الأزمة الحكومية لبنانية في المقام الأول: في أحسن الأحوال لم يكن لإيران أي دور سلبي فيها كما يتداول أفرقاء قوى 14 آذار، حتى يُقال إن هذا الدور انتفى مذ أوشكت الحكومة على التأليف، ويضيف: «عندما كُلف الرئيس الحريري ذهب إليه السفير الإيراني محمد رضا شيباني كي يقول له إن حكومته تدعم تأليفه حكومة الوحدة الوطنية، وهي مستعدة لكل تعاون وبذل جهد. وهذا ما لم تفعله أي دولة أجنبية أو عربية، ولا فعلته أميركا خصوصاً. وقبل أن يغادر شيباني إلى منصبه الجديد كنائب لوزير الخارجية الإيراني لشؤون الشرق الأوسط، كرّر الموقف نفسه للمسؤولين اللبنانيين. إيران مسكونة بتاريخها وعظمته، مَن يصدّق ما يقوله البعض إنها تعرقل تأليف الحكومة؟ وعندما تؤلف الحكومة قريباً، وقد أصبحت حقيبة الطاقة بعد حقيبة الاتصالات عند العماد عون، هل تكون إيران قد حصلت على ثمن العرقلة؟».
في نهاية الأسبوع الأول من الشهر الخامس للتكليف، بات في الإمكان استخلاص ملاحظتين أوليين:

كلما تعثّر الاتفاق أعاد عون الحريري إلى أول السلّم

ـــــ نجح عون حيث فشل الحريري في استخدام الوقت كأحد عناصر التفاوض لإنهاك الخصم، وإرغامه على التخلّي عن شروطه. وبعدما رفض توزير الخاسرين وإعطاء الجنرال حقيبة الاتصالات ثم حقيبة الطاقة، وجد الرئيس المكلف نفسه مرغماً على التسليم بكل هذه المطالب كي يمضي في تأليف الحكومة. لم تقف العِبرة عند هذا الحدّ، بل اكتشف أنه لن يستطيع أن يحكم كرئيس للحكومة من دون المعارضة.
كَمَن الفارق أيضاً في أن عون أعدّ نفسه للتفاوض أكثر من الحريري. لم يتقلّب في المطالب، وارتكز على قاعدة الثبات في الشروط واستنفاد الوقت، وحاز كذلك تفويضاً مطلقاً من حلفائه في المعارضة للتمسّك بالحصة التي يعتقدها منصفة له، استكمالاً للسيطرة على عامل الوقت. في المقابل خاض الرئيس المكلف تفاوضاً كان يحتاج في كل جولة إلى استمزاج حلفائه أراءهم فيه، في مهمة لم يكن سهلاً معها توقّع موافقتهم على ما كان يطلبه خصمهم الجنرال، وطرح شروطاً مربكة لتكليفه لا تمكّنه من الثبات عليها ولا فرضها على محاوره. كان يستعجل التأليف من دون غطاء سعودي ـــــ سوري، ولا من رئيس الجمهورية، لحماية مصالح مسيحيي 14 آذار.
ـــــ كرّس عون حصة غير قابلة للمقايضة إلا بمقدار ما يفيه تعويضها. وربط تفاوضه الأخير مع الحريري بمعادلة مفادها أنه لن يقبل بكتلة من 27 نائباً ما قَبِله بكتلة من 21 نائباً. في حكومة تصريف الأعمال حظي بثلاث حقائب رئيسية، هي: الاتصالات والطاقة والشؤون الاجتماعية، إلى حقيبة الزراعة ووزير دولة (نائب رئيس الحكومة). وحريّ في حكومة 2009 أن لا تتدنّى حصته عن ثلاث حقائب رئيسية، هي: الاتصالات والطاقة والاقتصاد (طلبها الأحد) إلى حقيبة السياحة ووزارة دولة. لكن العِبرة الموازية هي أن عون أرغم الغالبية والرئيس المكلف على التعامل مع موقعه وتمثيله في الحكومة الجديدة على نحو مطابق لتعاملهما مع رئيس المجلس ورئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط وحزب الله.


عدد الاربعاء ٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩