في اتّحاد المعارضة كوّة!

ابراهيم الأمين
في اتحاد المعارضة كوّة. الأمر لا يتصل بخلافات على آلية العمل في مواجهة فريق 14 آذار. ثمة تطابق وتفاهم على غالبية الأمور، من تشخيص واقع الفريق الآخر إلى تقدير وضع القوى الخارجية الحليفة لفريق الخصم، إلى أولويات فريق المعارضة وأهدافه في المرحلة المقبلة. لكن الأمر لا يتوقف عند هذه الحدود، بل يحتاج إلى تفاهمات تنفيذية، ويصبح الأمر أكثر دقة عند مناقشة آلية التفاوض، وهو ما يعكس طبيعة كل من قوى المعارضة البارزة.
إذا كانت المعارضة ترى أن فريق 14 آذار ليس في موقع القدرة على مبادرة كبيرة، مثل تأليف حكومة من طرف واحد، أو تحمّل بقاء الأمور على حالها لفترة طويلة، أو الاستعانة بدعم خارجي استثنائي لمواجهة المعارضة، فإن ترجمة هذا الكلام لا تكون هي نفسها بين الأطراف الأساسية. كيف ذلك؟
المتابعون يلاحظون هذه المرّة أن تفاهماً جديّاً يقوم الآن بين الرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون. وهو ليس بالضرورة تفاهماً مكتوباً أو جرت مناقشته بتفاصيله، لكنّ سياق البحث يظهره شيئاً فشيئاً إلى حدود أن الريبة المتبادلة التي قامت بين الطرفين خلال السنوات القليلة الماضية، والتي انعكست خلافاً في الانتخابات النيابية، اختفت فجأة، وصار بالإمكان سماع إشادات بالرئيس بري في محيط العماد عون، مقابل كلام واضح عن تفهّم مطالب الجنرال من جانب رئيس المجلس، وإنّ بعض المحيطين به يضيفون عبارات من نوع: «معه ضمن المعقول» أو «معه إلى حدود تمنع الانفجار». وهي في الأساس تعبير عن السقف الفعلي الذي يضعه العماد عون لنفسه في مفاوضاته الجارية الآن مع الرئيس المكلف سعد الحريري.
وكي لا يفهم الأمر على أن ما يقابل هذا التفاهم هو تباين بين الموقعين وحزب الله وتيار المردة، فإن الأمور تتصل بآليات العمل اليومية، إذ سبق لبري أن أبلغ العماد عون أنه لا داعي للتنازل من خلال اقتراح سلة وزارية مختلفة عن السابق، وأنه لا داعي على الإطلاق للتخلي عن حقيبتَي الاتصالات والطاقة، شارحاً أن وزارة الطاقة، على سبيل المثال، تمثّل كنزاً كبيراً في المرحلة المقبلة، ويعود بري إلى التذكير بأنه أعرب عن أسفه لأن حزب الله تنازل عن هذه الحقيبة، ورأى ذلك نوعاً من الخطأ الشبيه بخطأ بري نفسه عندما وافق على التخلّي عن حقيبة المال لمصلحة الرئيس الراحل رفيق الحريري، علماً بأن بري يبرر خطوته تلك بالضغوط التي مارسها عليه عبد الحليم خدام وغازي كنعان في حينه.

عون يسأل: لماذا يشترطون علينا الحقائب والأسماء ولا نناقشهم في بقية الحكومة؟

كذلك، فإن بري لا يرى أن على المعارضة «تدليع» أحد في هذه المرحلة. ثمة ثوابت يجب المحافظة عليها، وإذا ما قرّر الحريري ومعه فريق 14 آذار فتح معركة مع العماد عون، فيجب أن تكون المعارضة خلف عون مباشرة، وأن تترك له أمر إدارة المفاوضات بما خصّ حصته والتقدم صوبه باقتراحات تفيده، فلا تحرجه أو تضغط عليه. وبهذا المعنى، يمكن فهم «التباين» الجزئي القائم بين عون وتيار المردة لناحية عدم الموافقة على نظرة النائب سليمان فرنجية، الذي يبدو في رأي المتابعين «مستعجلاً»، فيما يردّ فرنجية بأن خطواته تحظى بتفهّم حزب الله، وأن الهدف منها محاولة التوصل إلى تفاهم على الحكومة، والأخذ في الاعتبار أن الحريري وفريقه تعرّضا لهزيمة كبيرة عندما أقرّا بأن تبقى الاتصالات والطاقة مع عون، وأن يسقط الفيتو على توزير جبران باسيل، وأنه لا يمكن الضغط عليه أكثر من ذلك، وهو ما جعل فرنجية مقتنعاً بالصيغة التي حملها والتي تعطي عون إضافة إلى الاتصالات والطاقة حقيبتي السياحة والمهجرين.
لكن في جوهر الأمر، تبدو الأمور متصلة بأمور أخرى يقوم الخلاف في تقدير آلية التفاوض، وأبرزها سببان:
الأول: أن في المعارضة رأياً ليس محسوماً مئة في المئة، يرى بأن فريق 14 آذار لم يعد يمثّل الأكثرية النيابية التي تتيح له التفرّد في خطوة تأليف الحكومة، وأن الموقع الجديد للنائب وليد جنبلاط مضافاً إليه موقف الرئيس نجيب ميقاتي والنائب أحمد كرامي يجعل فريق الموالاة يحتل 58 مقعداً في المجلس النيابي، إذا أضفنا إليه النائب ميشال المر، مقابل 57 نائباً للمعارضة. وهذا الفارق لا يتيح لذاك الفريق التحدث بطريقة كأنه هو الذي يدير اللعبة السياسية. وإذا كان هذا التصنيف لا يعطي المعارضة زمام المبادرة لأن جنبلاط وميقاتي لن ينضمّا إليها في مواجهة تيار المستقبل على وجه الخصوص، إلا أن الوضع يتيح توازناً يمكن المعارضةَ فيه أن تفاوض الحريري من موقع أكثر قوة من الذي كان عليه عشيّة تكليفه الأول تأليف الحكومة.
الثاني: أن لعبة الشروط التي اعتمدها الحريري في المرحلة الأولى، وخصوصاً في وجه التيار الوطني الحر، لا يمكن مقابلتها بنقاش هادئ من النوع الذي يحصر الأمر في مطالب العماد عون، إذ إن في المعارضة رأياً قوياً يقول بأنه كما يعطي الحريري لنفسه حق التدخل في اختيار أسماء الوزراء وتوزيع الحقائب عليهم، فإن للمعارضة حق مناقشته في بقية المشهد الحكومي، مثل السؤال عن هوية وزيري المال والعدل على سبيل المثال، ثم كي لا ينتهي الأمر بأن المعارضة دخلت شريكاً لأنها تحتاج إلى هذا الموقع، علماً بأن أصحاب هذا التقويم يؤكدون أن الحريري لا يمكنه على الإطلاق ادّعاء القدرة على التفرّد في الحكم، كما لا يمكنه الادّعاء أنه ليس محرجاً إذا تأخر تأليف الحكومة.


عدد الاربعاء ٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩