العراقيّون لا يبكون... فماذا عن باتريك باز؟

سناء الخوري
موقعاً كتابهموقعاً كتابه«يوم سقطت بغداد، كنا نمارس الحبّ. ارتديت ملابسي الداخليّة، أمسكت كاميرتي وبدأت أصوّر. عاد الصمت. جلَسَت على الشرفة، تبرَّجت وابتسمت لي. ألقت طائرة صاروخاً على مكاتب الجزيرة». هذه مقتطفات من يوميات عراقيّة مقتضبة لباتريك باز. في الألبوم الفنّي «لا تلتقط صورتي. العراقيون لا يبكون» (تاميراس) الصادر بالفرنسيّة، يكتب المصوّر الصحافي تجربته بخطّ يده وبعدسته. فقد عكف مصوّر «وكالة الصحافة الفرنسيّة» على التقاط لحظات من حياة العراقيين، منذ دخول البلاد في دوامة الاحتلال والدم عام 2003 حتّى عام 2008.
تستوقفك صورةٌ غنيّة بالدلالات في الكتاب الأنيق: كاميرا ملطخة بالدماء. تجعلنا اللحظة، نستعيد وضع تلك العدسة التي ستعود إلى التقاط صور إضافيّة. صورٌ كانت في حينها أداة خبريّة وخدمة للقارئ. يستميت المصوّر لالتقاطها، تنشرها الصحيفة صباح اليوم التالي، ثمّ ترمى، أو يلفّ فيها أحدهم سندويش فلافل. قد توضع في أرشيف ما. تلك الصور نفسها، توثق مفارقات الحرب، وآلام الناس، تحوّلهم أحياناً إلى أرقام. يمكن اعتبارها وثيقة تُضمّ إلى السيرة المهنيّة لمن التقطها. أمّا في ألبوم باز، فالصورة عمل فنّي، يرافقه توثيق أدبي. إنّها سيرة خفيفة عن حياة مصوّر يلاحق الحرب، بكلّ جنون وخفّة.
من هذا المنطلق، تأخذ اللقطة بعداً تشكيلياً، أو سينمائياً. على الأرجح. هنا، طفلة تجادل جندياً أميركياً. في صفحة أخرى، جنديّ يتعلم شرب النارجيلة بصعوبة. هناك جمل إلى جانب دبابة. حرائق. في موضع آخر، أحد جنود الاحتلال يجرّب البيانو في منزل تحت الركام. هناك عرس في ظل الرشاش، وفي مكان آخر فضاء أسود بالكامل خلف أبنية بغداد.

يوميّات بغداديّة و«شهر عسل في الجحيم»

فجأة يقاطعنا باز «يرنّ هاتفي. يخبرني صديقي أنّه سيبدأ معاملات الطلاق. عودة إلى الحقيقة الأخرى». هكذا، يحكي المصوّر إلى جانب سرده ليوميات العاصمة المحتلّة، تفاصيل شخصيّة، منها علاقة غراميّة عاشها في بغداد، «شهر عسل في الجحيم» كما يقول، يفقد بريقه عندما يلتقي الحبيبان خارج بغداد.
أمّا سؤال الكتاب الأقوى، فيطرحه باز في المقدّمة: «هل أواجه الجمع لأوثق ألمه، وأتقاسمه لاحقاً مع العالم، أو أنسحب وأتركه لحزنه؟» اختار مصوّرنا الخيار الثاني. هذا ما نقرأه في مدوّناته، حيث يخبرنا قصص جنود أميركيين، يقتادون الجرحى العراقيين إلى سجون التعذيب. معظم هؤلاء الجنود لم يبلغوا العشرين من عمرهم بعد.
صوّر باتريك باز حروباً كثيرة من سراييفو ومقديشو إلى غزّة وبيروت وبغداد. حين سقطت هذه الأخيرة، وهدم تمثال صدام حسين، أراد أن يصوّر عراقياً يبكي. نهره الرجل قائلاً: «لا تلتقط صورتي. العراقيون لا يبكون». اللاصورة كانت عنوان الألبوم.


عدد الاربعاء ٤ تشرين الثاني ٢٠٠٩