الأحزاب اللبنانيّة: جماهير في خدمة العائلات الحاكمة

غسان سعود
مرَّ التيّار الوطني الحر خلال الأعوام الثلاثة الماضية بالكثير من التحديات، لكنّ هيئته التأسيسيّة لم تجد مسوّغاً لتجتمع وتناقش ما يمكن فعله لتدارك مزيد من التدهور. وحين حاول البعض الاجتماع أو الدعوة للقاء من يفترض أنّهم مؤسّسو التيار لمناقشة أوضاع تيّارهم، بذلت القيادة ـــــ العائلة جهوداً جبّارة لتفريق صفوفهم، ونجحت.
اليوم، في ظل ممانعة قريطم لتوزير جبران جرجي باسيل ـــــ الراسب في الانتخابات، حلّ وحي ما على الهيئة التأسيسيّة للتيّار، فقررت بحماسة الاجتماع غداً في منتجع الرمال لتبايع بالإجماع باسيل مرشّحاً وزارياً. البعض سيذهب إلى «الرمال» عن اقتناع بأن معاليه أحسن العمل ويفترض استمراره لمصلحة «التغيير والإصلاح»، والبعض يذهب انسجاماً مع ما يريده العماد عون، وآخرون ليظهروا للجنرال حسن نيّتهم تجاه جبران، عسى أن يمنّ عليهم عون ببعض المناصب.

قضيّة التيّار جبران وقضية الكتائب سامي وجنبلاط يبحث في الصندوق القديم

ليس في الأمر مشكلة، لا بل لعله أمر صحيّ. لكن المشكلة أن قضية التيّار صارت منذ انتهاء الانتخابات توزير باسيل: القاعدة تأخذها بطريقة شخصية، وترى أن إقصاء جبران تهميش للمسيحيّين، ووسائل الإعلام العوني تستيقظ وتنام على سرد إنجازات معاليه.
لا أحد من العونيين يكترث اليوم إلى أن منسّق الحزب اختفى منذ إعلان نتائج الانتخابات، ولم يعيَّن بعد بديل منه. لا أحد ينتبه إلى أن المسؤول الإعلامي في هذا الحزب مأخوذ بسحر موج البحر في الجيّة. لا أحد يكلّف نفسه عناء الاتصال بمسؤول المدارس لسؤاله عن سبب استقالته بعد اكتشافه أن تلامذة المدارس ليسوا أولوية بالنسبة إلى قيادة التيار. لا أحد يفكّر في حال قطاع الطلاب الذي صنع مجد العونيين، والذي يعجز اليوم عن إنتاج قيادات. لا أحد يراجع وضع التيار في النقابات في ظل حكم ضابط خسر ثلثي المعارك النقابية التي خاضها وبقي قائداً لجيش النقابيين من دون محاسبة. قضية التيار اليوم هي توزير جبران باسيل. كل الأمور الأخرى مجرّد تفاصيل.
ليس التيّار وحده من يعاني من غياب قضيّة سياسية مركزية في عمله. حزب الكتائب ليس أفضل حالاً. قضيته، هو الآخر، تنحصر بتمكين سامي الجميّل وتكريس مرجعيته في الحزب. بدا ذلك واضحاً عشية الانتخابات النيابية الأخيرة حين ترك الحزب كل لبنان وصبَّ اهتمامه على المتن ـــــ دائرة ترشح الجميّل الصغير. واليوم، يرفع الحزب شعار وقف التسويات الظرفية وإعادة النظر في الصيغة وتطوير النظام من داخله. أما عملياً، فلا أحد وسط الكتائبيين يسعى لأكثر من إعطاء كرسي صغير للحزب ضمن النظام، لعلَّ سامي يعزز حضوره. يحدث ذلك في ظل سعي الجميل ـــــ النائب لتوطيد زعامته الحزبية عبر نشر أنصاره في جميع مواقع المسؤولية في الحزب.
أما القوات اللبنانية، فليست، هي الأخرى، بمنأى عن التخبّط السياسي من دون قضية جوهرية. فتكاد حركتها تتلخّص بما اختزنته نفوس بعض مقاتليها من أحقاد على الآخر وخشية على النفس. فيبدأ هؤلاء الكلام عن الأخطار المحدقة بالوجود المسيحي، كأن «الفلسطيني» و«السوري» و«الإيراني» يشدّون بساط الـ10452 كلم2 من تحت أقدامهم.
ماذا عن تيار المستقبل؟ استنفدت قضية «الحقيقة» كلّ جاذبيتها، ولم يعد «الشيعة» أو «السوريون» أعداء الله. وعبثاً يحاول نواب المستقبل إيجاد قضية جديدة: مرة يتحدثون عن التنمية معتقدين أن عكار مثلاً تحتاج إلى تمليك شركة سوليدير أحد الأسواق وطرد أصحابه منه لتحويله منتجعاً للخليجيين، أو إنشاء جسور عشوائيّة كتلك التي قامت في بيروت تأسيساً لتنمية العاصمة، ومرّة أخرى يتبنّون الليبرالية فيوفدون من يفترض أنهم اليساريون في تيار المستقبل ليبشّروا بالليبرالية. ومرة ثالثة تصبح قضية التيّار هي نشر العلمانية، فيغمر محمد علي الجوزو دوري شمعون ويجولان معاً على قرى إقليم الخروب قبل توجههما إلى دير القمر حيث يشهد الجوزو تبادل «الإخوة المسيحيين» أنخاب الخمر بكل روح رياضيّة. ما هي قضية تيار المستقبل اليوم؟ لا أحد في التيار يسأل، ولا أحد وسط أنصار التيار يهتم. المهم أن سعد الحريري كُلّف تأليف الحكومة، وأن الانتخابات البلدية في موعدها بعد عام، ما يعني أن خيرات مؤسسات تيار المستقبل الإنسانية لن تتوقف.
رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط لا يسمح بأن يقع حزبه التقدمي الاشتراكي في فراغ على هذا المستوى. ففور حسمه أن إسقاط النظام السوري ومواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة لم يعودا هما القضية، يقفز إلى الصندوق القديم، يستخرج منه القضايا، ويبدأ الكلام عن تحرير فلسطين وعن حقوق العمال والفلاحين والطلبة، من دون أن ينسى الجولان. ويبدأ رامي الريّس بمحاولة تقليد زاهر الخطيب، فيما يراجع وائل أبو فاعور بيانات تيار التوحيد ليستخرج من عبارات وئام وهاب قضايا تشغل التقدميين في المرحلة المقبلة.
تحتاج القوى اللبنانية إلى إعادة تحديد ما تريده؛ حزب الله يريد قتال إسرائيل، حركة أمل تريد تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستفادة من السلطة. أما التيار الوطني الحر وتيار المستقبل والحزب الاشتراكي والقوات اللبنانية والحزب الشيوعي والكتائب والمردة و«القوى الوطنية»، فلا يعرفون ماذا يريدون، ولا يدرون ماذا يفعلون. وفي الانتظار، يتلهّى الجمهور بالدفاع عن مصالح العائلات الحاكمة.


عدد الاربعاء ٥ آب ٢٠٠٩ | شارك
أرسله Yahya Bin Haider (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-08-05 22:26.

أخّاذ كالعادة في تحليلاتك التي تصيب كبد الحقيقة وأحياناً تلامسها دون قصد ، كم أتمنى منك استاذ غسان و من القراء أن يتفكّروا بما قلته عن القطاع الطلابي و عدم إهتمام التيار الوطني الحر له ، ألم يتساءل أحد عن عدم نزول سمير جعجع للإنتخابات؟ و حتى ربط الإثنين معاً؟

منذ أربع سنوات استعاد "الحكيم" خطابه بشكل مبطن بين القواعد القواتية ، و تدرج حتى أصبح إعلامياً ينقل على السمع ؛ استثارة عرقية مكبوتة في لاوعي الشاب (و الشابة ، على حد قول العزيز أسعد أبو خليل) ، عنصرية مسيحية التوجه متمثلة بهذا الرمز "المحرر" من سجنه و "الجريء" في مواجهته للشيعة (حزب الله) ، أولم يتحدث العماد عون مراراً و تكراراً عن الأقراص العنصرية التي توزعها القوات اللبنانية على (طلبتها) من كلا الجنسين في المدارس الإعدادية و الثانويات؟ أهناك في التيار الوطني الحر من يشهد أنه خسر تأييد جيل كان قبل أربع سنوات في الرابعة عشر و ها هو اليوم في الثامنة عشر لمصلحة نشوة عرقية؟ و ها نحن هنا بعد أربع سنوات ، و بين أيدي التيار جيل جديد مِن مَن هم في الرابعة عشر و خلال الأربع سنوات القادمة عليهم أن يسألوا أنفسهم ؛ "هل سنخسرهم أيضاً؟"

أرسله Joe Ghanem (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-08-05 21:09.

أستاذ غسان

أنت تصنع لنفسك خط صحفي محترم , و هذا المقال بالذات هو خطوة مهمة جدا في هذا السياق .

أنا أحييك بقوة و أشد على يديك .

أرسله عبدو حنينه (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-08-05 15:01.

ان كانت صحيفة الاخبار تفتح لمحرريها المجال للكتابة على كيفهم فللقراء عبر الانترنت راي ربما يخالف هذا الكيف الكيدي
فلا الكتائب همها سامي و لا التيار همه جبران و لا القوات همها ستريدا و لا الاحرار همهم كميل الطموح والواضح ان الكاتب لم يقراء جيدا اي بيان انتخابي لهذه الاحزاب الفاعلة في المجتمع اللبناني و لم يحضر أي من مؤتمراتها لكي لا يتم تصنيفه و إذ نعرف نحن الذين في الاغتراب ان لبنان يوازي الولايات المتحدة بتوليد الرؤساء و الزعماء نذكر الكاتب السهران على مقالته يجب التذكير ان الذي ينجح في الامتحان الانتخابي يصبح ممثلا لشعبه لا لعائلنه او والده او زوجه و لو كان اسمه سامي الجميل او ستريدا جعجع اما عن جبران باسيل فلو كان و زيرا في بلد اوروبي لما فكر صحفي ان يكتب الا عن انجازاته و اعتفد انه كالوزير بارود اعطى قيمة مضافة للعمل السياسي و الإداء الحكومي.
و للديموقراطية أحكام و عدم كونه نائبا لا يعني ان صفته التمثيلية غير مستحقة.

أرسله وديان عبدالخالق (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-08-05 13:18.

كتير حلو المقال يا غسان، وأهم شيء بعد يلي كتبتوا عن تيّار الوطني بيّنت إنك موضوعي وردّيت على كل يلي كانوا يتهمّوك إنّك بتكتب بس لتمدح بالتيّار....

أرسله بن قحطان (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-08-05 08:05.

حركة أمل تريد تحقيق أكبر قدر ممكن من الاستفادة من السلطة.ونحن نعتب على الكاتب لانه تجاوز الحقيقة ولماذا لم يقل لنا ان امل اصبحت حركة الرئيس بري وها هو يريد توزير شقيقه وغدا ابنه نائب
ولو كفى استخفاف بعقول الناس انها حركة العائلة !

أرسله زائر (لم يتم التحقق) يوم أربعاء, 2009-08-05 14:54.

ليش وين دور حركة امل بالمقاومة والتنمية وين الغلط اذا كان بيملك المؤهلات لاستلام هذا المنصب بعد 35 سنة من تاسيس حركة امل بين معك انو الرئيس بدو يوظف ابنو او اخوه او انو الحركة بس بدها السلطة