لا للطائف 2، ولا للدوحة 2، نعم لدمشق واحد!

جان عزيز
يعترف أحد أركان 14 آذار بأن المرحلة الراهنة فيها الكثير من العوامل السياسية المشابهة لمرحلة الأعوام 1990 ـــ 1992. يومها، كان ثمة مشروع للتسوية في المنطقة، اسمه مؤتمر مدريد. اليوم، ثمة مشروع آخر للتسوية، اسمه المبادرة العربية للسلام. يومها كانت ثمة واشنطن قد احتلت الكويت، وتجهد للخروج منها قبل تحوّلها مستنقعاً. واليوم، ثمة واشنطن أخرى قد أمضت ستة أعوام ونيّفاً في احتلال العراق، وتبدأ الخروج منه، كي لا يتبدل من مستنقع إلى مقبرة. يومها، كانت إيران قد دخلت حديثاً مرحلة ما بعد الخميني، وما بعد حربها العقدية مع صدام حسين. وكان الغرب حائراً في كيفية مقاربتها: هل ثمة ما تغير فعلاً في طهران، أم يجدر الانتظار بعد؟ واليوم، ثمة إيران أخرى، دخلت لتوها مرحلة صمود نظامها، في وجه تقاطع صراعات الداخل ورياح الخارج، لتثبت لنفسها أولاً، وللعالم ثانياً، أن شيئاً لن يتبدل في مصالح طهران الخارجية ومقتضيات تلك المصالح وحساباتها وأولوياتها، حتى لو انقلب كل داخلها على داخله...
يومها، كان لبنان منهكاً من حربين: واحدة داخلية حول صيغة الشراكة بين جماعاته في نظامه الدستوري، وأخرى خارجية حول علاقاته بمحيطه من إسرائيل إلى سوريا. وكان كل المعنيين بهذا الوطن المستعصي، يدركون أنه دولة غير قابلة للحكم الذاتي، وأن غير قابليته تلك، لا يقتصر أذاها على ذاته، بل يمكن أن يتشظى على كل الملامسين له...
يومها، قضت تلك العوامل بحصول تقارب سعودي ـــ سوري، برعاية ومباركة أميركيتين، فصار رفيق الحريري رئيساًَ للحكومة اللبنانية، بعد 13 تشرين العسكري و6 أيار المطلبي.
اليوم، العوامل نفسها تقضي بحصول التقارب ذاته بين الرياض ودمشق، وبرعاية واشنطن نفسها، ليصير سعد الدين الحريري رئيساً للحكومة اللبنانية، بعد 7 أيار الأمني، و«13 تشرين الانتخابي» في 7 حزيران الماضي...
لكن ركن 14 آذار نفسه، لا يلبث أن يتوقف عند ما يعتبره فوارق أساسية، بين تلك المرحلة وهذه. وهي فوارق ستحول حكماً، دون تكرار التجربة ذاتها. يقول: سنة 92، مع وصول الحريري الأول، كان هناك احتلال إسرائيلي، في ظل لامبالاة دولية عموماً، وغربية خصوصاً. أما سنة 2009، ومع وصول الحريري الثاني، فثمة القرار 1701، مع إجماع جدي من المجتمع والشرعية الدوليين، على تطبيقه واحترامه. سنة 92، كانت سوريا قد وضعت يدها على لبنان، بموافقة غربية وأميركية، وكجزء من الصفقة التي انتهت إلى وصول الحريري الأول إلى الحكم. أما سنة 2009، فوصول الحريري الثاني إلى السرايا، بدأ بعملية غربية وأميركية، قضت بخروج سوريا من لبنان، وبإحكام كل الآليات العربية لاستدامة هذا الخروج. وسنة 92، كانت تسمية رفيق الحريري لرئاسة حكومة لبنان، نتيجة معطيات خارجية محضة، ولم تنبثق من أي شرعية لبنانية داخلية. أما سنة 2009، فتنطلق تسمية سعد الدين الحريري لرئاسة الحكومة، من شرعية شعبية تمثيلية لبنانية أولاً، تتقاطع وتتراكب مع كل المعطيات الخارجية الأخرى.
لذلك، يستنتج ركن 14 آذار نفسه أن ما حققته دمشق سنة 92، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تحققه سنة 2009. وأن أقصى ما يمكنها كسبه هو نقاط ثانوية في ملفات أخرى غير لبنان. حتى إن أقصى ما تطمح إلى تسجيله لبنانياً، تسوية في ملف ملحق بالوضعية اللبنانية، وهو ملف المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. وفي هذا بالذات، تبدو محاولتها محكومة بالفشل، نظراً إلى خروج هذا الملف وآليات عمله وتطوره من أيدي كل المعنيين الآن بالحديث مع سوريا... هكذا يطمئن الركن المسيحي الأكثري إلى أن التاريخ لن يعود إلى الوراء. لكن ماذا لو كان ثمة جانب آخر للقضية؟ ماذا لو قيل للتاريخ لاحقاً، إن «تعاون» قسم من المسيحيين، جعل الأحداث التي أوصلت الحريري الأول ممكنة، ولو على ظهر «الإحباط المسيحي»، وإن «تعاونهم» مرة ثانية سيوصل الحريري الثاني، في ظل «إقصاء مسيحي» هذه المرة؟ والأهم أن الذين هربوا من الدوحة واحد، رفضوا الطائف 2، سيجدون أنفسهم مضطرين إلى دمشق واحد؟


عدد السبت ٤ تموز ٢٠٠٩