حفلات الروك والجاز تحتكر بطولة الموسمً
مادلين بيروبشير صفير
لا شك في أنّ الحاجة إلى المهرجانات اللبنانية الكبيرة، هي بالدرجة الأولى لتحقيق أحلام محبّي الموسيقى الجدّيّين في حضور حفلات حيّة لأساطير مخضرمين أو لآخرين يافعين أي ما يمكن تسميته الظاهرة.
وعندما نقول موسيقى جادّة، نعني أولاً لا حصراً الروك (وفروعه)، والجاز (وفروعه)، والموسيقى الكلاسيكية. بدايةً يجب الإشارة إلى أنّ محبي الروك هم الأكثر حظاً هذه السنة، يليهم متذوّقو الجاز، فالموسيقى الكلاسيكية. إذ إنّه لدى إعلان البرامج، عاش عشّاق الفرق الكبيرة (القديمة والجديدة) لحظات نشوة لمجرد سماع الأسماء المدعوّة. و«ضربة المعلم» حقّقها «مهرجان بيبلوس» مع فرقتَيْ Jethro Tull (19/7) و Keane (6/7) فيما اكتفى «مهرجان بعلبك» باسم أسطوري واحد: Deep Purple (25/7). أما «بيت الدين» فاختار الروك الغجري مع إمير كوستوريتسا (راجع المقال أدناه).
نبدأ إذاً مع الروك في «بيبلوس». بعد سنوات من الخبرة، يصل هذا المهرجان إلى ذروته هذه السنة. علماً بأنّه شهد تراجعاً كبيراً لجهة الجاز بعدما حقّق السنة الماضية انتصاراً على جميع زملائه في هذا المجال (حفلة تشو تشو فالدس وميشال لوغران). تراجُع الجاز قابله حدث استثنائي في عالم الروك، والمحطة الأولى مع فرقة «كين» ذات الشهرة العالمية على رغم تجربتها المحدودة. «كين» فرقة بريطانية تأسّست أواخر التسعينيات من القرن المنصرم ضمن تركيبة كلاسيكية في فئتها، لكنّ ألبومها الأول لم يبصر النور حتى عام 2004، وتلاه اثنان في عامي 2006 و2008. خلال هذه الفترة، بفضل الترحيب الذي قابل به الجمهور الإنكليزي والعالمي أغاني الفرقة، قامت «كين» بجولات عالمية، وأعادت إلى الأذهان مجد الفرق البريطانية المؤسِّسة.
«جيثرو تول»
بعد «كين»، موعدٌ يكاد يكون حلماً للجمهور بجيليْه القديم والجديد. ففرقة «جيثرو تول» البريطانية الأسطورية الناشطة منذ أكثر من أربعين سنة، تقدِّم نمطاً موسيقياً يندرج عموماً في عالم الروك (التطوريّ) لكنها تطعِّمه بمكوّنات تلفت نظر مَن يرى أن هذا التيار محدود من الناحية الموسيقية الشكلية. العضو الأساسي في الفرقة إيان أندرسون (وهو ذو خلفية كلاسيكية)، يفتح الآفاق من خلال جمله الموسيقية المرتجلة والمكتوبة على آلة الفلوت غير المعهودة في هذا التيار، ما يجعل قالب الأغنيات أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الروك. من جهة ثانية، عرفت الفرقة كيف تتأقلم مع العصر عبر استخدام التقنيات المتطورة التي دخلت إلى الروك. من جهة ثانية، يتساوى الروك في «بعلبك» مع ما يقدمه «بيبلوس». الفرقة البريطانية «ديب بربل» تملك تجربة مشابهة لـ«جيثرو تول» من حيث القِدَم والشهرة والنمط والجنسية. إنها من الفرق المؤسِّسة لموجة الروك الصاخب في أواخر الستينيات، ولها أعمال تعوِّل فيها على الجاز والفانك وحتى الموسيقى الكلاسيكية. مثّلت السبعينيات قمة مطلقة لهذا الفريق الذي تلاشت شهرته تدريجاً مع ظهور تيارات موسيقية طغت على المزاج الشبابي العام (كالراب والموسيقى الإلكترونية والتكنو،...). علماً بأنّها قامت بتغييرات عدّة في أسلوبها محاولةً العودة بقوة إلى الساحة الفنية، لكنها حافظت رغم تبدّل تركيبتها على ثلاثة من أعضائها الأساسيين (إيان غيلان، رودجر غلوفر وإيان بايس).
من الروك إلى الجاز حيث يتقاسم الحدث مهرجانَا «بعلبك» و«بيت الدين». الأول يستضيف في ليلة واحدة عازف الباص الأميركي «العتيق» رون كارتر (1/8) المولود عام 1937 وفرقته الخماسية في الجزء المخصَّص للجاز والبوسا نوفا، ومن ثم إيدي بالمييري (1936) وفرقته السداسية في الجزء الثاني الذي سيتمحور حول الجاز اللاتيني والسالسا. طبعاً، كِلا الفنانين يتمتع بشهرة عالمية وفي رصيدهما عشرات التسجيلات، إضافةً إلى المشاركات الكثيرة مع أهم رموز الجاز والموسيقى اللاتينية في القرن العشرين. وفي المقابل، يواجه «بيت الدين» هذين العملاقين بالجاز المُغنَّى الشعبي مع فنانة صاحبة تجربة خجولة نسبة إلى كارتر وبالمييري، لكنها لا تقل شعبية عنهما. إنها المغنية وعازفة الغيتار الكندية مادلين بيرو (22/7) التي بات في رصيدها ثلاثة ألبومات، أولها يبقى الأجمل بين كل ما قدمت لاحقاً، وهو Careless Love الذي برهنت فيه أن الجاز (والبلوز) قادران على استيعاب أي لحن، وعلى إعطائه أبعاده الخاصة. فالعمل الذي منح بيرو أول جرعة شهرة قام على توليف كلاسيكيات من خارج الجاز (لرموز كبار أمثال ليونارد كوهين وبوب ديلن وغيرهما)، وأدّتها بصوت يليق بالغناء الجازي.
رون كارتر
وأخيراً، في ما يخص الموسيقى الكلاسيكية يجب الإشارة إلى النقاط الآتية. أولاً، تنفرد «مهرجانات بعلبك» هذه السنة بتقديم أمسيات كلاسيكية تتوجّه إلى الجمهور المختص، إذ لا يمكن (ولا يجوز) اعتبار ما يقدمه غي مانوكيان (9/8) ومرسيل خليفة (12/8) وغبريال يارد (25/7) الذين دعاهم «بيت الدين»، موسيقى كلاسيكية بالمعنى اللائق. وذلك لأسباب عدة ودقيقة يصعب الدخول فيها الآن، ولكن باختصار، إن وجود الأوركسترا لا يعني بالضرورة «موسيقى كلاسيكية».
ثانياً، إن «مهرجان بعلبك» الذي كان دائماً الأول في هذا المجال، يبقى الأول هذه السنة، وأكثر من ذلك، يحقّق تقدماً لافتاً مقارنةً بالسنة الماضية. بدايةً، يحلّ هذه السنة على المهرجان أحد أهم منظمي العروض الأوبرالية في العالم Les Chorégies d›Orange (13/8) لتقديم عمل كامل، هو من أشهر الأعمال في فئته: «لا ترافياتا» للإيطالي فيردي. بينما اكتفى المنظّمون في الدورة السابقة بمقتطفات أوبرالية أدّتها السوبرانو هاسميك بابيان برفقة بيانو. من جهة ثانية، يستقبل المهرجان إحدى أهم الظواهر الموسيقية المعاصرة في عالم العزف على البيانو. إنّه الفرنسي الشاب دايفيد فراي (11/7) الذي شبّهه النقّاد بالأسطورة الكندي غلان غولد، وتحديداً في مجال أداء أعمال باخ. إذ إنّ راي سيقسم أمسية إلى قسمين، فيخصّص الأول لباقة من أعمال النمساوي فرانز شوبرت، ويقدم عملاً كاملاً لباخ في القسم الثاني.
دايفيد فراي ظاهرة «بعلبكية»
سعى «مهرجان بعلبك» دوماً إلى التركيز على الأسماء المُكرَّسة في برمجته «الكلاسيكية». هذه السنة، اعتمد المنظمون استراتيجية جديدة، إذ دعوا ظاهرة في عالم الموسيقى الكلاسيكية: إنّه عازف البيانو دايفيد فراي. فقد استحوَذت موهبة هذا الشاب الفرنسي على اهتمام برونو مونسانجون، صاحب أشهر الأفلام الخاصة بالموسيقى الكلاسيكية ورموزها الكبار، فأنجز وثائقياً خاصاً عنه بعنوان «تمايَل، غنِّ وفكِّر». هذه الالتفاتة الاستثنائية من مونسانجون هي بمثابة «جائزة» موسيقية تقديرية، تفرض الاعتراف العالمي بدايفيد فراي... من دون نقاش







