عون ــ الحريري: ماذا قيل في «القمّة الخامسة»؟
جان عزيز
كان معبّراً جداً حوار عون ـــــ الحريري، على مرحلتين متتاليتين، يومي الأحد والاثنين الفائتين، بين الرابية وساحة النجمة. حوار مليء بالرسائل المكثفة والمشفَّرة، ومفتوح على صياغة مستقبل وطن ونسج بساط أرضه والسماء، وخصوصاً أن اللقاءات الثنائية بين الرجلين قليلة، نادرة، وموسومة دوماً بالمحطات المفصلية.
فبمعزل عن طاولة الحوار المنطلق في ساحة النجمة في 2 آذار 2006، المستأنف في بعبدا في 16 أيلول 2008، وبعيداً عن لقاءات الدوحة في أيار 2008، يمكن اعتبار اجتماع الرجلين، في اليومين الماضيين، لقاء «القمة الخامسة» بينهما.
الأولى كانت في 10 أيار 2005، بعد أيام ثلاثة على عودة عون من منفاه. ذهب إليه الحريري في الرابية «لتهنئة الجنرال بعد الغياب الطويل والمشقة التي مرّ فيها».
بعدها كان فراق الانتخابات، وطلاق «التحالف الرباعي». قبل أن يعودا للقاء عشية تأليف الحكومة اللبنانية الأولى عقب الجلاء السوري.
القمة الثانية كانت مطلع تموز 2005، على مرحلتين اثنتين أيضاً، وكانت وسط أجواء كثيرة الدلالات، وانتهت إلى نتائج مرمزة الخلفيات والأبعاد. ففي 7 تموز من ذلك العام، وصلت مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية في حينه، اليزابيت ديل، إلى بيروت، بدأت جولتها صباحاً على المسؤولين اللبنانيين، من الرابية بالذات، وكانت كلمة السر التي تحملها: حكومة ائتلافية. في 10 تموز، انتقل عون إلى قريطم في زيارته اليتيمة لدارة الحريري، وخرج يومها بالتفاؤل، وبعض الملاحظات.
بعد 48 ساعة، انفجرت سيارة مفخخة في الرابية على الطريق التي يسلكها عون نفسه، لكنها استهدفت الياس المر. فجأة أجهض الاتفاق، وذهبت قريطم إلى اتفاق حكومي من دون عون، ومع تجيير حصته الوزارية إلى إميل لحود.
تباعد الرجلان وتراشقا، ذهب الجنرال إلى مار مخايل متفاهماً مع حليف الحريري الانتخابي، حزب الله، فيما ذهب «الشيخ» إلى كل العواصم، واجداً فيها طريقاً أقصر من شوارع بيروت. تعمّقت الأزمة، لاحت الأزمة الرئاسية، فكانت «القمتان» الثالثة والرابعة بين الرجلين، في باريس على مدى يومين، في 31 تشرين الأول 2007، وفي منزل فريد مكاري، جار الجنرال، في 21 تشرين الثاني من العام نفسه... بلا جدوى ولا نتائج.
قبل يومين، وبعد غياب أربعة أعوام ونيف عن الرابية، عاد الحريري لزيارة عون في منزله. اللقاء بروتوكولي، بين رئيس حكومة مكلّف يحمل عنوان «لبنان أوّلاً»، ورئيس حكومة أسبق أسقط أكثر من مرة عن شرعيته، لأنه مارس مبدأ الوطن أولاً وأخيراً.
سأل الحريري مضيفه: هل من نصائح تسديها إليَّ في مهمتي؟ فكان عون صريحاً. حدّثه عن رؤيته للوحدة الوطنية وحكومتها، والوفاق ومقتضياته. «لا يمكنك مواجهة تحديات الداخل والخارج من دون شراكة جدية. والشراكة الجدية صرنا حساسين تجاه وعودها، وخصوصاً بعد الاتهامات التي سقتموها ضدنا أثناء الحملة الانتخابية، والتي تدركون عدم صحتها، واكتشفنا اليوم حقيقتها الاستغلالية».
أومأ الحريري برأسه مستمعاً. اكتفى بالتذكير ببيانه المكتوب بعد تكليفه، وانتهى اللقاء. أمس كانت المرحلة الثانية من القمة الخامسة، وكان الرجلان أكثر قابلية للحوار وتبادل الرسائل. حرص الرئيس المكلف على إبداء كل إيجابية، وعلى تأكيد نيّاته الطيبة، وحرصه على التعاون والتلاقي لمصلحة الوفاق والوحدة. لكنّه لم يغفل إمرار الرسالة الجوهرية: أن الوحدة والوفاق يقتضيان تنازلات من الجميع، واعترافاً بنتائج الانتخابات التي قبل بها الجميع.
وبالإيجابية نفسها، والترميز ذاته ردّ عون: كل الإيجابية، والتنازلات المتبادلة أمر طبيعي. لكنّ التنازل نسبي، لا على قاعدة «من معه يعطى ويُزاد...». فلا يمكن اقتطاع حصة متساوية من حجمين غير متساويين.
وحيال إنصات الرئيس المكلّف، ختم عون بتسليم رسالته الجوهرية: مشاركتنا معكم تختلف عن مشاركة أي طرف آخر. الجميع يضيفون إليكم أرقاماً وأصواتاً، أكان في مجلس النواب أم في مجلس الوزراء. نحن قيمتنا المضافة الأساسية هي الوحدة الوطنية والوفاق الأهلي...
لم ينته الحوار في القمة الخامسة، لكنّ بشائره تقضي بالقول إنه حوار يستحق الاستكمال، ويستأهل النجاح، تحقيقاً لقيمة مضافة جوهرية، عنوانها الوحدة والوفاق.







