
مساعد تشيني لـ«الأخبار»: خيبتنا من ثورة الأرز كبيرة
أنطون الخوري حرب
عملت الإدارة الأميركيّة لتأمين سلامة نوّاب الأكثريّة خارج لبنان لانتخاب رئيس بأكثريّة أعضاء البرلمان. يكشف أركان الإدارة الأميركية السابقة أسرار سياساتهم حيال لبنان بعد انتهاء ولايتهم. فحيث يقضي العرف السياسي الأميركي بعدم تسريب مثل هذه الأسرار خلال ولاية كل إدارة، يتيح هذا العرف لمسؤولي الإدارات كشف بعض ما لديهم من أسرار سياسية بعد خروجهم من السلطة، كما أكد لـ«الأخبار» المسؤول السابق عن ملفات نائب الرئيس، السكرتير جون هانا اللبناني الأصل.
وهانا الذي كان مسؤولاً عن مكتب تشيني في البيت الأبيض، تقاعد من وظيفته بعدما كان المعاون الأول لنائب الرئيس. وبحكم موقعه ومسؤولياته، كان هانا من المهتمين بمتابعة الملف اللبناني الذي كان منوطاً بديك تشيني بتفويض خاص من الرئيس السابق جورج بوش. وخلال زيارة قام بها إلى الأردن للقيام ببعض الأعمال الخاصة، كان لـ«الأخبار» دردشة صحافية معه حول الملف اللبناني.
استهل هانا حديثه عن لبنان بكشف خيبة إدارته من النتائج التي تلت الجهود الأميركية في التعاطي مع الأزمة اللبنانية. ذلك أن تشيني عمد مع رئيسه في بداية ولاية الجمهوريين إلى تجاهل الملف اللبناني الذي كان مصنّفاً في خانة الملفات الثانوية للإدارة الأميركية، وأعرب أكثر من مرّة أمام رجال أعمال أميركيين من أصل لبناني عن ارتياحه لواقع الوصاية السورية على لبنان حتى أحداث 11 أيلول 2001، «فالواقع السياسي الذي رسا لبنان عليه إبّان ولاية الرئيس جورج بوش الأب، كان مرضياً في حقبة خروج الشرق الأوسط من الحرب الباردة إلى التفاوض العربي ـــــ الإسرائيلي في مدريد سنة 1991. وكنا نريد إراحة سوريا في المفاوضات التي سارت بخطى متقدمة تابعتها إدارة بيل كلينتون في ما بعد إلى أن وقعت عملية اغتيال رئيس وزراء إسرائيل حينها إسحق رابين، وكنا نرى أن انسحاب الجيش السوري من لبنان مرتبط بانسحاب الجيش الإسرائيلي منه وحل أزمة الصراع العربي ـــــ الإسرائيلي ضمن تسوية شرق أوسطية شاملة. وكان الأوروبيون والإسرائيليون متّفقين معنا على هذه المعادلة».
ويشرح هانا نظرة إدارته لحزب الله، كجزء من السياسة الإيرانية في المنطقة، لكن أيضاً كطرف إرهابيّ خارج القواعد التقليدية في الصراع. لكن إسرائيل تفضّله على المنظمات الفلسطينية التي كانت تؤثر على الوضع السياسي اللبناني قبل الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 والذي أدّى إلى خروج ياسر عرفات والمنظمات الفلسطينية منه.
ويعرّف هانا الانطباع الأميركي عن لبنان نتيجة حوادث 11 أيلول 2001 بأنه انطباع سيّئ، لأن المشارك اللبناني الوحيد في تلك الأحداث زياد الجراح قد تلقّى قسماً من تدريباته في لبنان. لكن الإدارة الأميركية أدركت حينها الفارق بين حزب الله الشيعي والمجموعات الأصولية السنية بالنسبة إلى التعريف الأميركي للإرهاب الدولي. لكن يبقى أنّ حزب اللّه يمثّل أحد العوائق الأساسية للسياسة الأميركية في المنطقة بعد توقيع اتفاقيتي أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية ووادي عربة مع الأردن. ويروي هانا أن تشيني تحدث مع السفير الأميركي السابق في لبنان فنسنت باتل شخصياً بعد أحداث 11 أيلول، المرة الأولى عبر الهاتف والثانية في مكتب نائب الرئيس حين استدعى تشيني باتل لبحث التقارير الدبلوماسية التي كانت سفارته ترسلها إلى وزارة الخارجية، والتي كانت ترسل بدورها نسخاً عنها إلى مكتب نائب الرئيس. وتبلّغ تشيني من باتل استياءه من التدخل الشخصي لمساعد نائب وزير الخارجية الأسبق دايفيد ساترفيلد مع الرئيس الراحل رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط، كاشفاً أن ساترفيلد أبلغ وفداً من لقاء قرنة شهوان خلال اجتماعه بهم في السفارة الأميركية في عوكر بعد الاجتياح الأميركي للعراق في حزيران 2003 أن إدارته لا ترى موجباً لانسحاب الجيش السوري من لبنان في تلك الفترة، وأنها تنظر إلى هذا البلد بصفته دولة مستقلة بحاجة لأن تديرها دولة إقليمية بموافقة أميركية.
وبالانتقال إلى حال الانقسام السياسي اللبناني بين فريقي 8 و14 آذار، كشف هانا اهتمام إدارته العالي بدعم فريق 14 آذار ضد فريق 8 آذار «الموالي لسوريا»، فـ«بعد تبلّغنا من وزير الخارجية السوري فاروق الشرع رغبة دولته في تصحيح علاقتها بإدارتنا، وصلتنا كمية ضخمة من شكاوى 14 آذار، فطلب تشيني إرسال برقيات جوابية أذهلت الحريري وجنبلاط لما فيها من تصلّب أميركي تجاه دمشق»، كما تضمّنت وعداً من تشيني بإنهاء أيّ نفوذ سوري في الدولة اللبنانية، طالباً من حلفاء أميركا اللبنانيين الضغط على حلفاء سوريا لعزل حزب الله وتطويق استراتيجيته العسكرية والسياسية.
لكن مفاجأة هانا كانت لدى سؤاله عن الموقف الأميركي من أزمة الفراغ الرئاسي التي وقع لبنان ضحيتها، حيث كشف أن إدارته كانت تعمل من أجل تأمين سلامة نواب الأكثرية خارج لبنان لانتخاب رئيس للجمهورية بأكثرية عدد أعضاء البرلمان اللبناني، وأن إدارته قامت بكل الترتيبات اللازمة لهذه المهمة، وأبدى تشيني خيبته الكبيرة لتراجع الأكثرية النيابية اللبنانية عن هذه الخطوة. بعدها طلب تشيني ملف قائد الجيش الأسبق الرئيس ميشال سليمان، وبعد اطلاعه عليه علّق بالقول: «كيف رضي به أركان ثورة الأرز رئيساً للبنان، وهو على علاقة جيدة ومزمنة بالنظام السوري؟ لن أوافق على أن يكون رئيساً للبنان ولو على جثّتي».
يبدو ممّا تقدم أن الإدارة الأميركية السابقة كانت تتعاطى مع لبنان بعد صدور القرار الدولي 1559 بنمط الاضطراب السياسي نفسه الذي حكم سلوك حلفائها اللبنانيين. وإذا كان الإخفاق والخيبة هما السمتين اللتين طبعتا مواقف نائب الرئيس الأميركي الأسبق ديك تشيني، فهذا يعني أن هاتين السمتين طبعتا أيضاً كل مواقف الإدارة السابقة من الوضع السياسي اللبناني في مرحلة مفصلية من مراحل الأزمة اللبنانية. ولم يكن أحد يتصور أن الولايات المتحدة تتعامل بهذه الخفّة والسطحية مع المسائل الاستراتيجية في الشرق الأوسط وفي دولة مجاورة جغرافياً لحليفة أميركا الأولى في المنطقة، أي دولة إسرائيل. فهل يترك تعاطي الإدارة الحالية مع لبنان انطباعاً سياسياً أنضج وأوضح من الانطباع عن عمل الإدارة السابقة؟






