متساوون في البعد عن... غزة

عدنية شبلي*
بافيل قسطنطين ـ رومانيابافيل قسطنطين ـ رومانيانحن كلّنا، من سديروت مروراً بالقطب الشمالي حتى العريش، ومن النقب مروراً بالمكسيك وحتى قبرص، متساوون في أمر واحد في ما يتعلّق بغزة. قد نختلف في ما يتعلق بأفكارنا وأحاسيسنا نحو ما يجري هناك الآن، إذ قد يشعر البعض بشيء من الارتياح والطمأنينة، فتجربتهم في الحياة خارج غزة، مثلاً في سديروت، قد قادتهم إلى مثل هذه الأحاسيس والأفكار. وقد يجتمع بعض من الشباب النشيط لإطلاق حملة إعلامية من تل أبيب، تشرح ضرورة ما يجري هناك، قد يقتنع بها البعض ويستنكرها آخرون. وقد تقول أجهزة الاستخبارات التي تعرف حتى ما لم يقله أحد بعد، إنّ أهالي غزة سئموا حماس، وقد يقول آخرون ممن قد تكون أجهزة الاستخبارات ذاتها اعتقلتهم، إن هذا هو الوقت لتوحيد الصف. وقد يشعر آخرون بالغضب العارم، فينطلقون في تظاهرات ليعبروا عن غضبهم ورفضهم لما يجري في غزة، وقد يتصادم البعض أثناء ذلك مع آخرين، فيخرج امرؤ أو امرأة مثلاً من سيارتهما في حيفا ويقذف المتظاهرين ببعض الشتائم فيقذفونه هؤلاء بأخرى، أو قد يرمي أحدهم السفارة الإسرائيلية في لندن بكتاب أو حتى يرشق حجراً على السفارة المصرية في بيروت فتنقض عليه مجموعة من الشرطة وتعتقله، أو قد ينسى المرء الأمر كله ويروح يشرح لطفل نعس لماذا يحمل أحد الأعلام شجرة عيد الميلاد وآخر نجمة ومعمولاً ومطرقة. وقد يشعر البعض بالشلل التام وعدم القدرة على عمل شيء وربما بالإحباط فيبقون في بيوتهم لأنهم لا يعرفون ماذا يمكنهم أن يفعلوا، أو قد ينسون إن كانوا قد استحموا حين دخلوا الحمام أم لا بينما هم غارقون في تفكيرهم في ما يجري في غزة. أو قد يروح البعض الآخر ينتظر رقم الموتى حتى يزداد ليخرج حقاً عن صمته ويقول كفى أو حتى يخرج للتظاهر، أو ينتظر ازدياد الرقم لتعطشه للموت، أو حباً بالأرقام كما لو أن زيادة عدد القتلى أشبه برصيد شخصي له، يمكن وفقه حساب مدى الألم والحصول على أكثر ما يمكن من دعم إنساني حتى من أشخاص قلما اكترثوا. وقد يلغي البعض مشاريعهم اليومية أو أحد برامج مشترياتهم في موسم التنزيلات الحالي، وآخر قد يلغي حفل عشاء أو مشاركته في حفل رأس السنة. وقد يكتب البعض كما أفعل الآن. وقد يكون بعضهم لم يسمعوا حتى بما يجري هناك، غارقون هم أنفسهم بهمومهم ومآسيهم في مساكن من قصدير في المكسيك، أو لأنّهم لا يكترثون أو لأنهم ببساطة ماتوا. كل شيء جائز. لكن مهما اختلفت أفكارنا وأحاسيسنا وأفعالنا، فكلنا متساوون في أمر واحد هو أنّنا خارج غزة. وأنّ كل ما يمكننا أن نفعله أو نقوله أو نشعره قد يكون ناجماً عن أي شيء، عدا معرفتنا بكيف هي الحياة وكيف هو الموت وكيف هي الحياة لمن لم يمت بعد في غزة. ويجب أن نتذكّر أنّنا نعرف أننا لم نعرف ذلك.
* كاتبة فلسطينية


عدد الخميس ١ كانون الثاني ٢٠٠٩