الحسكة | لم تؤثر أجواء شهر رمضان، وساعات الصيام، على الحضور الشعبي في عيد «النوروز» في مناطق شمال شرق سوريا، حيث سارت خطط الاحتفال وإضاءة شعلة العيد من دون أي منغّصات تُذكر، وإن وسط أجواء من الخلافات السياسية التي انعكست في اعتماد ساحتين للاحتفال في كلّ مدن وبلدات المنطقة، إذ تصر أحزاب «المجلس الوطني» الكردي المدعومة من تركيا وحكومة «كردستان العراق» على إقامة منصات خاصة بها للاحتفال بالعيد، في ظل اتهامها لـ«حزب الاتحاد الديموقراطي» الذي يقود «الإدارة الذاتية» و«قوات سوريا الديموقراطية» (قسد) بالتفرد في إدارة المنطقة، والتضييق على نشاطها السياسي والاجتماعي. وفي السياق، كان سبق عيد «النوروز»، بأيام، توتر غير مسبوق بين أحزاب «المجلس» و«الإدارة الذاتية»، على خلفية منح «لجنة شؤون الأحزاب» التابعة لـ«الذاتية»، في تعميم، «مهلة لغاية الأول من نيسان لجميع الأحزاب السياسية والقوى السياسية غير المرخّصة والتي تمارس نشاطها السياسي لتقديم طلب ترخيص»، وتهديدها بـ«اتخاذ الإجراءات القانونية تجاه أي حزب غير مرخّص بعد هذا التاريخ». ورأت أحزاب «المجلس» أن هذا التعتيم يهدف إلى التضييق على نشاطها الحزبي وإنهائه، في ظل إصرارها طيلة السنوات السابقة على عدم القبول بسلطة «الذاتية»، وعدم الاعتراف بأي قرارات صادرة عنها.
ولعلّ ما زاد هوة الخلافات، هو إصدار «المجلس» لبيان رسمي اتهم فيه «حزب الاتحاد الديموقراطي بالقيام بتخريب ساحة الاحتفاء المركزي بعيد النوروز في قرية دريجيك بريف القامشلي، بعد نقل كميات من الأتربة والنفايات إليها باستخدام الآليات الثقيلة»، داعياً كلاً من «التحالف الدولي والولايات المتحدة الأميركية ذات النفوذ في المنطقة إلى التدخل ووقف هذه الأعمال الترهيبية بحقّ أبناء الشعب السوري». وسبق ذلك، اتهام «المجلس» لعناصر «الشبيبة الثورية» التابعة لـ«قسد»، بـ«الاعتداء على مقرَّي المجلس في مدينتي الدرباسية وعين العرب وحرقهما وتخريبهما والعبث بمحتوياتهما، تزامناً مع إحياء المجلس للذكرى الـ45 لرحيل الزعيم الكردي ملا مصطفى البرزاني». وفي المقابل، دفعت كل تلك التطورات بـ«السفارة الأميركية في سوريا» إلى إصدار بيان نشره موقعها على منصة «X»، دانت فيه «التضييق المستمر الذي تتعرض له أحزاب المجلس الوطني الكردي»، داعية إلى «وقف الهجمات على مكاتب أحزاب المجلس الوطني الكردي بشكل عاجل، وبدء الانخراط في حوار هادف مع الإدارة الذاتية».
وفي السياق، تؤكّد مصادر من داخل «المجلس»، في حديث إلى «الأخبار»، أن «المجلس قدّم شكوى رسمية ضد ممارسات حزب الاتحاد الديموقراطي بحقه إلى الأميركيين»، اتهم فيها حزب «الاتحاد»، «بالسعي لإنهاء أي نشاط سياسي لأحزاب المجلس بالقوة، من خلال تعميم ترخيص الأحزاب، والذي لا يمكن الاعتراف فيه أساساً». وإذ اعتبرت المصادر أن «مسؤولية منع نشاطات المجلس هي في عهدة الطرف الأميركي، الذي قدّم في السابق ضمانات بحرية ممارسة النشاط السياسي لكلّ الأحزاب الكردية في المنطقة»، أشارت إلى أن «المجلس سيواصل نشاطه في سوريا مهما كان حجم الضغوط والتحديات»، مبدية «استعداده لمتابعة جلسات الحوار مع حزب الاتحاد في أي لحظة عند التماس جدية واضحة من الطرف الآخر».
احتفى أكراد العاصمة السورية بالعيد باحتفال مركزي أقيم في منطقة وادي المشاريع، وسط تأمين السلطات لساحة الاحتفال


من جهتها، اتهمت مصادر مقربة من «الذاتية»، في حديث إلى «الأخبار»، أحزاب «المجلس»، بـ«افتعال المشاكل والأحداث بين الفترة والأخرى، بهدف لفت النظر إليها، ومحاولة استغلال عيد النوروز للعودة إلى واجهة المشهد»، مبيّنة أن «الخلاف الأساسي مع المجلس هو إصرار على التبعية لتركيا، وبناء علاقات مع جهات لا تريد الخير للشعب الكردي». ورأت المصادر أن «بيان لجنة الأحزاب يهدف إلى تنظيم النشاط السياسي وفق ضوابط وأنظمة»، مؤكدة أن «الانفتاح موجود دائماً للحوار، وهناك حرص على وحدة الصف الكردي - الكردي، خاصة في ظل المرحلة الحالية الصعبة التي تعيشها المنطقة».
وبالتزامن مع ذلك، احتفى أكراد العاصمة السورية، بعيد «النوروز» باحتفال مركزي أقيم في منطقة وادي المشاريع، القريبة من القصر الجمهوري، والتي يطلق عليها الكرد اسم «زور أفا»، وسط تأمين السلطات الرسمية السورية، لساحة الاحتفال، في مشهد بات اعتيادياً في السنوات الأخيرة. ورفع المحتفون رايات «حزب الاتحاد الديموقراطي» وصور الزعيم الكردي عبدالله أوجلان، إلى جانب راية «إقليم كردستان العراق»، والتي عادة ما يرفعها تيارات «المجلس الوطني» الكردي، في إشارة إلى مرجعيتهم السياسية في «كردستان العراق». وفي السياق، أكّد الشاب جوان، في حديثه إلى «الأخبار»، أنه «تمت إقامة طقوس الاحتفال بكل أريحية، ودون أي تضييق»، مشيراً إلى أن «الدولة السورية تتعامل مع عيد النوروز كعيد من أعياد السوريين»، ومستدركاً بأن «حرص الجهات الحكومية على حماية ساحة العيد، خطوة جيدة ومهمة في تعزيز فكرة حق الكرد في ممارسة حقوقهم الثقافية داخل أرض وطنهم سوريا».
أما في مناطق سيطرة المعارضة السورية، فحاولت الفصائل العسكرية في منطقتي عفرين وجنديرس في ريف حلب الشمالي، الظهور بمظهر الحريص على إحياء الكرد طقوس «النوروز» من دون منغّصات، وخاصة بعد حادثة مقتل أربعة من الشبان الكرد في بلدة جنديرس العام الفائت. ورغم كل التدابير التي اتُّخذت، إلا أن عدداً غير قليل من الكرد تعرّضوا للتضييق من قِبل فصائل «الجيش الوطني»، من خلال اعتقال عدد منهم بتهمة التعامل مع «الإدارة الذاتية»، فضلاً عن اعتداء عناصر من «الشرطة العسكرية» بالضرب الشديد على ناشط إعلامي كردي خلال تغطيته لاحتفال في مدينة عفرين. وفي السياق، ذكر عدد من صفحات التواصل الاجتماعي من داخل عفرين، أن معظم الأهالي احتفوا بالعيد في منازلهم فقط، وأن غالبية الاحتفالات التي أقيمت كانت ذات طابع دعائي، بهدف إقناع الآخرين بأن «المنطقة تشهد تعايشاً مع فصائل مجرمة ودخيلة على المنطقة، ولا تملك أي صلات أو روابط تاريخية فيها».