حكاية رقية



لملمت بعض الكراتين والمشمع لأصنع منها غرفة تؤوي عائلتي (هيثم الموسوي)

لاجئ. الوطن والأرض والعودة، أصبحت كلها كلمات.. حبر على ورق أو للمزايدة في أتون الصراع الذي لم تنته فصوله. لا الأرض عادت ولا الحق عاد ولا التسمية أبطلت بمفعول الزمن، لا بل انها عادت والتصقت بنا من جديد بعدما أصبحنا لاجئين مجددا: نحط رحالنا عند إخوتنا في مخيمات لبنان والتي لا مفاضلة فيها بين حال «الفلسطيني اللبناني» و «الفلسطيني السوري» ونتظر عودتنا.. الى لجوئنا الاول على الاقل.

خزامى رشيد

ما الذي تغير في مؤشر الأحلام؟ كنا نحلم باستحقاق الحق، أما اليوم فقد ضاق الحلم بنا وعلينا حتى أصبح أسيرا لكرتونة إعاشة من جمعية هنا وجمعية هناك، لرسالة الكترونية تبعثها بلدية أو وكالة الأونروا التي تعهدت بمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، بمبلغ قد يتضاعف أو يتناقص، ينتظم أو يتخلخل.
اصبح اللاجئ رهينة لمسكنات البقاء والاستمرار، وانحسرت احلامه ثم طموحه في العمل والعيش الكريم إلى مجرد الانتظار في طوابير طويلة وكئيبة للحصول على ما يسد الرمق. كأننا اصبحنا نسخاً متكررة من سيزيف فلسطيني، سيزيف العصر، يحاول أن يرفع صخرته الى القمة إلا أنها تعاود التدحرج من جديد، فتعيده الى أسفل الجبل، هناك حيث الشعور المقيت بالانتظار والتكرار يجعله كارها لذاته وانتمائه الذي أوصله إلى هذا العبث.

في عين الحلوة، أكبر مخيم للاجئين الفلسطينين في لبنان، يحط أغلب اللاجئين الفلسطينيين السوريين، هناك في المخيم المكتظ أصلا بأبنائه غالبا ما تلتقي بقريب أو صديق أو جار سابق أو وجه قد تعرفه، في ركن من مخيم عين الحلوة التقيت بجارتي القديمة في مخيم اليرموك، رقية عريشة ابنة شهيد المقاومة الفلسطينية في سبعينيات القرن، تربت وترعرعت يتيمة الأب ولكنها هي وإخوتها وأخواتها ورغم فقر الحال كانوا يسكنون البيت الأرضي الكبير، ويفتخرون بأنهم أبناء الشهيد.. الى أن ضاقت بهم الحال وازداد فقرهم حين اشترى أحد الملاكين بيتهم الأرضي الكبير. أخذ الإخوة التسعة حصصهم من ثمن البيت فتاتا، البيت الأرضي أصبح عمارة ومحال وعقارات، كانت رقية كبقية إخوتها، تنظر الى مكان بيتهم بحسرة وحزن، تتذكر طفولتها وفقر حالهم الذي كان مغمسا بالعزة والحنان، أما فقرهم لاحقا فقد ازدان بالوجع والتفرقة والتعب، يلومون فقر الحال الذي أوصلهم لبيع بيتهم.
في كل مرة أرى جارتي في المخيم أمام بيتها القديم الذي كان لصيقا ببيتنا، كانت الحسرة تأكل روحها. كنت أرى بنت الجيران من فترة الى أخرى في مخيم اليرموك أسألها عن حالها وحال
إخوتها.
مرت الأيام والسنون إلى أن رأيتها مجددا، وبعد سنين في مخيم عين الحلوة، وعلى عجل من وقت اللهاث لتدبير الحال. روت لي مرارة وقسوة ما عانته في سوريا وصولا الى لبنان، متسائلة: كم مرة سيكتب علينا اللجوء؟ هربنا من القصف والنيران كباقي أبناء اليرموك، لا نعرف أين نتوجه. ليس لدينا أقارب خارج المخيم ولا بيت ممكن أن نلجأ له، ذهبنا الى المدارس فأوصدت بوجهنا، اشار إلينا أحدهم بالتوجه إلى جامع في قدسيا، توجهنا الى قدسيا البلد، ففوجئنا بقذائف تنهال على مكان قرب الجامع، عدنا وكررنا البحث عن مكان آمن لأطفالنا، لم نجد، بقينا يوما كاملا في رحلة البحث، نمنا على الأرصفة، إلى أن قررنا التوجه الى مركز الأونروا في المزة، أوصدوا الباب بوجهنا أيضا فالمكان لم يعد يستوعب لاجئين جدداً، المكان يكتظ بأبناء مخيم اليرموك، صرخت بوجه الموظفين، اندفعت بقوة قهري أطلب مقابلة المدير الأجنبي مهددة ببوعزيزي ثان، قابلني المدير وتحت ضغط حاجتنا وافق المركز على إيوائنا، عشنا هناك أياما معدودات عشرات العائلات في غرفة واحدة. حمام واحد لمئات العائلات ولا مكان لغسيل، لملابس، ولا ولا...
قررت الذهاب الى لبنان، الجميع يتوجه الى لبنان، الجمعيات الأهلية والمساعدات والمنظمات ووو! لن تتركنا «مبهدلين»، رحلنا الى لبنان، وصلنا مخيم عين الحلوة. أقمنا بداية في أرض لمنير المقدح فيها بعض الخيم، لم يتسن لنا الحصول على خيمة.
«تأخرتم» قالوا لنا، لملمت بعض الكراتين والمشمع لأصنع بها غرفة تؤوي عائلتي، أقمنا فيها أياما، الكحل ولا العمى! ثلاثة أيام فقط وبعدها سقط المطر علينا، تمزق الكرتون والمشمع، تبللنا بالمطر في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تمنينا أن يؤوينا أحد، لا حول ولا قوة إلا بالله، كلمة سمعناها من اللاجئين الآخرين الذين يملكون الخيم، فالملكية الخاصة أقوى من التعاطف الإنساني، حتى من هم في وضعك باتوا ينظرون إلينا مشفقين، ولا من أحد يرغب بمشاركتنا خيمته، عذاب ما بعده عذاب، أشفقت علينا عائلة لبنانية فلسطينية وأخذتنا إلى بيتها في «الفوار».
غرفة بلا ماء ولا حمام، اليوم يطالبون برحيلنا، وجدنا غرفة زينكو في بركسات تعمير عين الحلوة، يطلبون منا إيجارا يقارب مئتي الف ليرة لبنانية، وها أنا في انتظار المساعدة المالية للأونروا لندفع الأجرة وليتسنى لزوجي بعض النقود يستطيع بها أن يستقل تكسي للبحث عن عمل في بيروت ربما». أنهت حديثها قائلة «ياريتنا لم نخرج من بيوتنا في مخيم اليرموك، ليتنا متنا هناك بقذيفة، أقلها نموت مظلومين ميتة واحدة أفضل من هذا الموت البطيء الذي نذوقه كل لحظة ودقيقة».
ذهبت رقية مشيا على الأقدام الى جبال الفوار حيث تقطن، فلا إمكانية لديها لتقلها سيارة السرفيس، ذهبت وعيني عليها، تمنيت لو بحوزتي كاميرا تصوير سينمائي التقط مشيتها الحزينة المثقلة، التقط بها فصلا من فصول مئات الحكايا الموجعة للاجئين، علّ الصورة تحفظ شيئا من قهر اللجوء الجديد.


الخريطة الأنثى، خريطة فلسطين السليبة التي كانت
تزين صدور الفلسطينيات، أصبحت «غرضا» يفككن ببيعه او رهنه ضيق الزمن، فكم من فتاة فلسطينية اضطرت إلى أن تبيع الخارطة الذهبية التي آخت صدرها وعنقها لتشتري الخبز، مجرد الخبز، الذهب مقابل الخبز والأرض مقابل الحياة.
كيف ولماذا وصل اللاجئ الى ما وصل إليه من حقد على العالم وعلى ذاته وعلى فلسطينيته؟. شظف العيش وحده من يسرد حكايات اللاجئين الجدد الذين هربوا من الموت في مخيمات سوريا الى العوز في مخيمات
لبنان.

مخيمات
العدد ٢٠٥٤ الإثنين ١٥ تموز ٢٠١٣

مقالات أخرى لخزامى رشيد:

التعليقات

اضف تعليق جديد

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.
Comments are limited to a maximum of 250 words.
CAPTCHA
This question is for testing whether you are a human visitor and to prevent automated spam submissions.
3 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.