في ختام زيارته للرياض، اكتفى البيت الأبيض بالإعلان أن مستشار الأمن القومي، جايك سوليفان، بحث مع وليّ العهد السعودي، محمد بن سلمان، جهود السلام في اليمن. وما لم تقله الإدارة الأميركية، فنّده سفيرها لدى اليمن، ستيفن فاغن، الذي أكّد حرْص بلاده على تمكين حكومة ما يسمّى «الشرعية» من «الموارد المالية» لليمن، في إشارة واضحة إلى إصرار واشنطن على ربط الملفّ الإنساني بالملفَّين السياسي والعسكري، ورفْضها الرفع الكامل للحصار، وسعيها للاستحواذ على عائدات النفط، بدلاً من تخصيصها لصرف رواتب موظّفي الدولة وتحسين الوضع الخدمي للشعب اليمني. ولعلّ ما تقدَّم يبيّن بوضوح اعتراض الجانب الأميركي على بعض النقاط التي جرى التفاهم في شأنها بين صنعاء والرياض، ما يعطّل الوصول إلى خواتيم «سعيدة» للاتفاق الذي جرى برعاية سلطنة عُمان. وهو اعتراضٌ تراجعت معه، كما يبدو، الرغبة السعودية في الخروج من الأزمة، ملصقةً، عبر وسائل إعلامها، تهمة التعطيل بـ«أنصار الله»، على خلفيّة ما تقول إنه «صراع أجنحة» داخل الحركة.

وبذلك، تسعى الولايات المتحدة، التي تتحرّك في اتّجاه فرْض رؤية مختلفة عمّا تمّ الاتفاق عليه بين الجانبَين اليمني والسعودي، إلى تجزئة الحلول وتأجيل الحسم، لإبقاء الصراع هادئاً إلى حين الحاجة إلى إشعاله مجدّداً، وفق ما تقتضيه مصالحها ومصالح إسرائيل. ويواكب السياسة الأميركية المعطِّلة للسلام في اليمن، الإعلام الإسرائيلي، وجانب من الإعلام المحلّي (الأميركي)، عبر التشكيك المستمرّ في جدوى المفاوضات بين الرياض وصنعاء، وذلك بهدف إفشال أيّ تقارب من شأنه أن يؤدّي إلى تحقيق السلام، ذلك أن انتهاء الحرب، من وجهة النظر تلك، سيُضرّ مصالح واشنطن كما تل أبيب. وتستميل وسائل الإعلام هذه شخصيات محلّية حليفة للأميركيين، للترويج لسرديّتها، مِن مِثل أحد وزراء حكومة عدن (لم يفصَح عن اسمه)، الذي نُقِل عنه تحذيره من تبعات الاتفاق على المصالح الإسرائيلية في البحر الأحمر، وإشارته إلى أن وقف الحرب سيجعل كيان العدو هدفاً محتملاً لصنعاء، ما يقتضي إفشاله.

ثمّة خشية إسرائيلية من تحقيق السلام بين السعودية واليمن وأَثره على مصالحها مستقبلاً


في هذا الوقت، تركّز مراكز الدراسات الإسرائيلية على تداعيات اتفاق السلام بين اليمن والسعودية، وعلى الخشية من تحقيق السلام وأثره على مصالح كيان الاحتلال مستقبلاً. وفي ما يشبه التحريض، تقول تلك المراكز إن السعودية تحاول إخراج نفسها من اليمن وتسليم البلاد فعلياً إلى «أنصار الله»، فضلاً عن أنها تستفيض في وضْع سيناريوات متعدّدة لوقف الحرب، تصبّ جميعها في خانة واحدة: السلام يفيد صنعاء ويشكّل خطراً على أمن الكيان. وفي هذا الإطار، نشر موقع «مجلس الشؤون الأسترالية - الإسرائيلية واليهودية»، تحليلاً بعنوان «مستقبل اليمن: التقسيم أم الفتنة أم الطالبانية؟»، وصف فيه أول اجتماع علني بين السعودية و«أنصار الله» في صنعاء بـ«الاستسلام غير المشروط من قِبَل الرياض تحت ستار اتفاق سلام وشيك»، ورأى أنه على «غرار الولايات المتحدة في تعاملها مع طالبان، قام السعوديون بتهميش الحكومة اليمنية والجهات الفاعلة الأخرى، ويتفاوضون على انسحابهم مباشرة مع الحوثيين»، جازماً بأن «جميع النتائج المحتملة تُعتبر سيئة، وأقلها سوءاً إذا تمّ تجميد الصراع إلى أجل غير مسمى...». لكنّ النتيجة الأكثر ترجيحاً، بحسب التحليل، هي فكّ الارتباط السعودي الكامل في اليمن، مع تصعيد «أنصار الله» عسكرياً ورفْضها تقديم أيّ تنازل جوهري، واستسلام السعوديين المحبَطين واليائسين. ولعلّ أكثر ما يقلق الإسرائيليين، هو امتلاك اليمن مخزوناً هائلاً من الأسلحة، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والطائرات من دون طيار. ومن جهتها، تَنظر المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بقلق شديد إلى تجربة الطائرات المسيّرة الإيرانية (شاهد 136)، وتأثيرها على مجرى العمليات العسكرية في الحرب الروسية - الأوكرانية، وتعتقد أن من بين ما حصل عليه اليمن من إيران، منذ عام 2021، بالإضافة إلى «شاهد 136»، أنواع من هذه الطائرات «الكاميكازي» من دون طيار، وهو الطراز الذي تمّ اختباره بنجاح في الميدان اليمني. وقد اعتبرت الدوائر الإسرائيلية أن ذلك يزيد من الطبيعة الخطيرة لـ«أنصار الله»، كما أنه ستكون له تداعيات على اتفاق السلام في اليمن. وعليه، قدّرت المؤسسات الأمنية الإسرائيلية أن يركّز اليمن تهديداته، بعد اتفاق السلام، على كيانها.
وقد اكتسب البحر الأحمر، في الآونة الأخيرة، أهمية مضاعَفة في نظر إسرائيل بسبب صراعها مع إيران، والعدوان على اليمن، وتنافُس القوى الكبرى في السيطرة على الموانئ اليمنية، وعلى موانئ جيبوتي وإرتيريا على الضفّة الأخرى لمضيق باب المندب اليمني. وفي وقت سابق، ذكرت وسائل إعلام إسرائيلية، منها «يديعوت أحرونوت»، أن «ثمّة خشية داخل المؤسسة الأمنية في إسرائيل من أن تحاول أنصار الله إغلاق المضيق أو التعرّض للسفن الإسرائيلية بواسطة صواريخ تُطلَق من الساحل»، وأن المخاوف الإسرائيلية قديمة في هذه المنطقة الحسّاسة بالنسبة إلى أمن الكيان. لكنّ التحالف الإسرائيلي - الإماراتي أمّن للكيان، بالتعاون مع أميركا، فرصة للتواجد عسكريّاً وأمنيّاً في مناطق وجزر يمنية حيوية. وفي هذا المضمار، أفادت مصادر استخبارية عن زيارات متكرّرة يقوم بها ضباط إسرائيليون برفقة زملاء أميركيين وإماراتيين إلى مدينة المخا على ساحل البحر الأحمر، التي تسيطر عليها قوات طارق صالح، المموّل من أبو ظبي، وزيارات أخرى إلى القاعدة الإماراتية في جزيرة ميون التي تتوسّط مضيق باب المندب. وتدرك إسرائيل أن حالة العداء تجاهها متأصّلة في وجدان الشعب اليمني. وعليه، تركّز، منذ بدء السعودية عدوانها على اليمن، على قضيّة أمن الممرّات المائية، حيث تمرّ سفن وبواخر إسرائيلية يومياً عبر مضيق باب المندب، في اتجاه دول أوروبا وأفريقيا والصين والهند (لنقل الأسلحة والبضائع)، ومن هذه الدول نحو الكيان، مع سعي تل أبيب المتواصل إلى إضفاء طابع أمني واقتصادي بحت على التهديد اليمني لها.