صنعاء | لا يبدو أن الترتيبات العسكرية الأخيرة التي شهدتها المحافظات الجنوبية، بعيدة من الحضور والبصمة الأميركيَين. إذ تَكشف معطيات تَوافرت لـ«الأخبار» أن السفير الأميركي الجديد في اليمن قاد سلسلة تحرّكات واتّصالات مع أقطاب «المجلس الرئاسي»، أفضت إلى إقرار نوع من إعادة انتشار، تُحجّم حضور «الإصلاح» في الجنوب في مقابل حفْظ دوره في مأرب ومنْحه حصّة من «الكعكة» النفطية، في مقابل تعويم الميليشيات المدعومة سعودياً وإماراتياً من خارج دائرة «الانتقالي»، ما يطرح علامات استفهام حول حقيقة المكاسب التي جناها الأخير في الجولة الأحدث من الصراع


يمضي السفير الأميركي الحالي في اليمن، ستيفن فاجن، على نهج سلفَيه ماثيلو تولر وكريستوفر هنزل، في لَعِب أدوار عسكرية وسياسية مُخالِفة للعُرف الديبلوماسي. إذ قاد فاجن، الذي باشر عمله في اليمن مطلع حزيران الفائت، في الآونة الأخيرة، مساعي مع أعضاء «المجلس الرئاسي» الموالي للتحالف السعودي - الإماراتي، العميد طارق صالح واللواء عيدروس الزبيدي واللواء سلطان العرادة، من أجل إيجاد تسوية لحالة التنافس والتنازع القائمة على المحافظات الجنوبية. وفي هذا الإطار، علمت «الأخبار» من مصدرَين، أحدهما عسكري جنوبي والآخر ديبلوماسي، بأن انسحاب القوّات المحسوبة على «الانتقالي» من القطاعات النفطية في شبوة قبل أيام، جاء بعد لقاء السفير الأميركي رئيس «المجلس الرئاسي»، رشاد العليمي، في الرياض الأسبوع الماضي. وبينما كان من المفترض بقاء تشكيلات تابعة لحزب «للإصلاح» لحماية تلك القطاعات بحسب اتّفاق سابق أُبرم بين سلطات شبوة المحلّية و«اللجنة الرئاسية» المُشكَّلة لحلّ الصراع في المحافظة، تمّ نقل المئات من عناصر الميليشيات التابعة لطارق صالح، من الساحل الغربي إلى شبوة، لتسلُّم هذه المهام.
ويصف المصدر العسكري المقرَّب من «الانتقالي»، التسوية الأخيرة، التي تُقصي مليشيات «الإصلاح» من المشهد وتُسلّم مهامها لأخرى تنحدر من المحافظات الشمالية، بأنه «التفاف على الشقّ العسكري من اتّفاق الرياض، وتبادُل للأدوار يتناقض مع توجُّهات الانتقالي» فيما يؤكد المصدر الديبلوماسي وجود «توافُق أميركي سعودي إماراتي على التخلّص من نفوذ الإصلاح في شبوة وحضرموت، مع الإبقاء على مصالح الحزب في قطاعات صافر النفطية كنوع من التسوية المؤقَّتة، خشية أن تدفعه سياسة التضييق عليه إلى اللجوء إلى صنعاء والاتفاق مع حركة أنصار الله على شراكة جديدة، كخيار ضرورة للحفاظ على مصيره، خاصة وأن نفوذ الحزب السياسي مرتبط بالنفوذ العسكري وشبكة المصالح الخاصة به». ويَلفت المصدر نفسه إلى أن اللقاء الذي عقده السفير الأميركي مع القائم بأعمال الأمين العام لـ«الإصلاح» عبد الرزاق الهجري في الرياض، وتواصله هاتفياً الأربعاء الماضي مع القيادي في الحزب في مأرب سلطان العرادة، جاءا بعد أن تمّ تسريب أخبار من قِبَل «الإصلاح» نفسه عن وصول وفود من فروعه في تعز ومأرب إلى صنعاء للتفاوض مع حركة «أنصار الله»، كردّ فعل على سياسة الإقصاء والتهميش التي يتعرّض لها.

تلقّى «الإصلاح» «تطمينات أميركية» بحفْظ مصالحه العسكرية والاقتصادية في محافظة مأرب


ويكشف أن «الإصلاح» تلقّى «تطمينات أميركية» ببقاء مصالحه العسكرية والاقتصادية في محافظة مأرب من دون مساس بها، مع الإبقاء أيضاً على أيّ شركات خدمات نفطية تابعة له في حضرموت وشبوة عاملة بحماية القوّات البديلة، على أن تُسلِّم قيادة المنطقة العسكرية الأولى في وادي حضرموت مهامّها للقيادة الجديدة، وتُسحَب القوّات الموالية للحزب من وادي حضرموت إلى منطقة العبر ومنطقة الرويك شمالي مأرب، وأن تُعيد انتشارها على خطوط التماس الواقعة بين حدود محافظتَي الجوف ومأرب. كذلك، وعَد الجانب الأميركي، «الإصلاح»، بعدم تمكين «الانتقالي» من السيطرة على وادي حضرموت، بل تسليم المعسكرات لميليشيات «العمالقة» المحسوبة على الرياض، ومهامّ حماية القطاعات النفطية لميليشيات طارق صالح المحسوبة على أبو ظبي. أيضاً، ذكرت وسائل إعلام محلّية أن السفير الأميركي تعهّد للعرادة بتأييد بقائه كمحافظ لمأرب إلى جانب عضويّته في «الرئاسي»، بعد أن رفض الأخير محاولات تعيين بديل له من أبناء المحافظة موالٍ للإمارات، في مقابل ربْط الإنتاج النفطي في «القطاع 18» الواقع في نطاق مأرب، بموانئ حضرموت، ليتمّ تصدير النفط الخام عبرها بحماية القوّات الأميركية المتواجدة في مطار الريان وفي ميناء الضبة النفطي.
وضيّق التحرّك الأميركي الأخير، والذي قوبل بتجاوُب «إصلاحي»، هامش المناورة أمام «الانتقالي»، الذي وجد نفسه جسر عبور لإحلال ميليشيات غير تابعة له محلّ «الإصلاح»، بعدما جرى إيقاف تمدّده صوب المناطق النفطية في شبوة وحضرموت، مقابل منْحه الضوء الأخضر لنشر قوّاته في عدد من مناطق محافظة أبين. ونتيجة للضغوط الأميركية - السعودية، أَوقف «الانتقالي» تصعيده العسكري في اتّجاه الشرق، ولجأ إلى ورقة تحريك الشارع في حضرموت والمهرة تحت شعار المطالبة بخروج ميليشيات «الإصلاح» منها، وذلك خشية فقدانه المزيد من شعبيّته.