على رغم ما توحي به الديناميّات الحالية في الإقليم، من تَوجّه سعودي لإبرام تسويات في غير ما ملفّ، إلّا أن قيادة المملكة لا تزال تعتقد، خصوصاً في ظلّ تعاظُم حاجة الغرب إليها، بقدرتها على توجيه تلك التسويات نحو خدمة أهدافها تماماً. هذا على الأقلّ ما يوحي به سلوكها حيال الملفّ اليمني، حيث تُظهر إصراراً على إبقاء حالة «الستاتيكو» الراهنة، إلى أن يتأمّن لها مخرج لائق من الحرب، بأيّ طريقة كانت. على أن هذه الحالة لا تبدو مؤاتية لقيادة صنعاء، التي تُكرّر رفضها المضيّ في تمديد الهدنة الحالية، ما لم تتمّ تلبية مطالبها المتّصلة بالملفّات الإنسانية. ومن هنا، يُعاد تفعيل الخطوط الديبلوماسية على أبواب انتهاء صلاحية الهدنة، بهدف إحداث خروقات يمكن من خلالها إقناع «أنصار الله» بالتمديد


لا يمتلك التحالف السعودي - الإماراتي الكثير من الخيارات لحمْل قيادة صنعاء على الموافقة على تجديد الهدنة السارية في اليمن منذ قرابة أربعة أشهر؛ إذ ترفض هذه القيادة، بشكل قاطع، تمديد الهدنة بشكلها الراهن. ويعترف مكتب مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، في بيان أصدره أمس، بصعوبة مهمّة التمديد، والتي «لن تخلو من التحدّيات»، كما قال، بالنظر إلى ما سمّاه «بعض القصور في التنفيذ الكامل لعناصر الاتفاق». والظاهر أن خيار التجديد وعدمه متساويان، وإن كانت التقديرات الأممية تميل إلى ترجيح الأوّل، لا سيما في ظلّ الجهود المبذولة لحلحلة ملفّ رواتب موظّفي الدولة، فضلاً عن وجود رغبة أميركية صريحة في إبقاء اتفاق وقف إطلاق النار، والذي تَعدّه إدارة الرئيس جو بايدن من أهمّ إنجازاتها الخارجية، وتكاد لا تُفوّت فرصة من دون إعلان تمسّكها به، وآخرها البيان الختامي الصادر عن قمّة جدة.
من جهتها، تبدي قيادة صنعاء حرصاً على إدامة الهدوء، لكنها تولي الأهمية القصوى لمسألة رفع الحصار، وهي تمتلك من أجل ذلك الكثير من أوراق القوّة، فضلاً عن السياق الدولي الراهن الذي يعمل - في جانب منه - لصالحها. ولعلّ عضو الوفد المفاوض، عبد الملك العجري، عبّر بوضوح عن قوّة الموقف اليمني، بقوله إن «محاولة اختزال السلام بتمديد الهُدنة بشكلها الحالي محاولةٌ بائسة سترتدّ على أصحابها خيبة ووبالاً». وتَعتبر صنعاء أن الاقتراب من متطلّبات السلام الحقيقي، وعلى رأسها رفع الحصار، يقتضي على الأقلّ صرف المرتّبات، ورفع القيود كافّة عن مطار صنعاء وميناء الحديدة، بما فيها الوصاية السعودية على منْح تصاريح الرحلات الجوّية والتحكُّم بمَن يسافر ومَن لا يسافر من اليمنيين، واقتصار الرحلات على بلدان مؤيّدة لـ«التحالف» فقط، واحتجاز ناقلات النفط المصرَّح بها أممياً. وفي مقابل ذلك، يَبرز سيناريو عودة المواجهة، التي لن تقتصر على الأراضي اليمنية، بل إن نطاقها سيتّسع ليشمل المنشآت الحيوية في كلّ من السعودية والإمارات.

تَجري دراسة خيارات من بينها ربط مطار صنعاء بمزيد من الوُجهات، وعلى رأسها مسقط وبغداد


إزاء ما تَقدّم، وتلافياً للسيناريو المذكور، علمت «الأخبار» أن المبعوث الأممي، الذي دعا الأطراف كافة إلى «عدم تضييع فرصة تنفيذ الهدنة وتجديدها وتعزيزها»، يعكف على دراسة خيارات في هذا السبيل، من بينها ربط مطار صنعاء بمزيد من الوُجهات، وعلى رأسها مسقط وبغداد وبعض العواصم الآسيوية التي تعدّ مقصداً دائماً لليمنيين. والجدير ذكره، هنا، أنه منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تمّ تشغيل 20 رحلة جوّية ذهاباً وإياباً حتى الآن بين صنعاء وعمّان، ورحلة واحدة ذهاباً وإياباً بين صنعاء والقاهرة، أقلّت جميعها ما يزيد على 8000 مسافر، وذلك من أصل رحلتَين تجاريتَين أسبوعياً بين صنعاء وعمّان والقاهرة، بإجمالي 36 رحلة خلال أربعة أشهر. كما دخلت 26 سفينة إلى ميناء الحديدة تحمل 720,270 طنّاً مترياً من مشتقّات الوقود، بعد أن نصّ الاتفاق على دخول 36 سفينة.
وبالعودة إلى سياقات الاتفاق على الهدنة وإقرارها، يتبيّن أن الولايات المتحدة لم تُعطِ الضوء الأخضر لها إلّا عندما تمكّنت حركة «أنصار الله» من تشكيل تهديد مباشر لمصادر الطاقة ومنشآتها في منطقة الخليج، فضلاً عن امتلاكها تقنيات ووسائل تمثّل خطراً على الخطوط الملاحية البحرية، إلى جانب أنظمة توجيه دقيقة. وكان «التحالف»، ومِن خلْفه واشنطن، رفضا طوال فترة الحرب القبول بالهُدَن العسكرية والإنسانية المقترَحة من قِبَل الأمم المتحدة، وإذا ما قَبِلا بشيء منها فيكون محصوراً في الجانب العسكري، فيما يتمّ استخدام الملفّات الإنسانية كأداة من أدوات الحرب. وعلى رغم فشل تلك السياسة، شأنها شأن الخيار العسكري، وما آلت إليه الديناميات السعودية من حالة ترهّل وتعب، لا تزال إدارة المملكة للملفّ توحي باعتقادها بقدرتها على تحقيق «انتصار» مهما كانت الكلفة. يتّضح ذلك من خلال استغلالها حاجة الغرب إليها في مجال الطاقة، من أجل فرض سرديتها للحرب ورؤيتها للتسوية، وتفعيل سياسة الرُشى السياسية والمالية بهدف التفلُّت من العقاب والهروب من المحاسبة، فضلاً عن دفْع فواتير مالية باهظة لدول وازنة في الإقليم من أجل ضمان موقفها السياسي والإعلامي إلى جانبها أو سكوتها على الأقلّ. ويُنقل عن مسؤولين سعوديين قريبين من دوائر القرار، أن المملكة حاضرة لدفع فاتورة مفتوحة في الحرب على اليمن، مقابل خروجها بماء الوجه من هذا المأزق الممتدّ.