لم تستقبل أسواق صنعاء الكثير من زوّارها الذين اعتادوا زيارتها لشراء احتياجات شهر رمضان قبيل الحرب والحصار. فالوضع المعيشي والإنساني بعد ست سنوات زاد تعقيداً عن الأعوام الأولى للحرب. الكثير ممن كانوا ميسورين صاروا لا يستطيعون تأمين وجبات أطفالهم اليومية باستمرار. الحرب والحصار أدّيا إلى خلل كبير في الطبقات الاجتماعية؛ الطبقة الوسطى تتلاشى، والكثير من الأغنياء سابقاً صاروا في عداد الفقراء. في المقابل، أتاحت الحرب هامشاً واسعاً لتجار الحروب والأزمات ليبنوا ثروات من الصفر، وللمنظمات الدولية للمتاجرة بمعاناة الشعب اليمني المتفاقمة.


لا رواتب... لا طلب
في اليومين الماضيين، حكت أسواق صنعاء، القديمة والحديثة قصة أخرى من قصص معاناة الشعب اليمني. مستويات الطلب على المعروض من السلع والمنتجات الغذائية في حالة تراجع مستمر أسوة بالأعوام السابقة. والأسواق التي تستعد لعرض السلع والمنتجات الغذائية والمشروبات التي تستهلك بشكل كبير خلال شهر رمضان لم تخرج من حالة الركود، ومستوى الطلب لا يتجاوز أساسيات الحياة من الغذاء.

يعيد خبراء الاقتصاد هذا التراجع إلى استمرار توقّف صرف رواتب أكثر من 800 ألف موظف يمني منذ أربع سنوات، وفشل المساعي التي بذلتها صنعاء لإنهاء أزمة الرواتب، وتدهور بيئة الأعمال، وتراجع القيمة الشرائية للعملة اليمنية مقابل الدولار بنسبة تتجاوز 130% عن قيمتها قبل الحرب، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والأساسية للحياة في السوق اليمنية إلى أكثر من 100% في السنوات الست الفائتة.

أين تذهب ملايين الأمم المتحدة والجمعيّات؟
هذه المعاناة المجتمعية المتفاقمة من عام لآخر، ضاعفها العدوان السعودي - الإماراتي بتشديد الحصار وافتعال العديد من الأزمات التي ضيّقت خيارات العيش الكريم على الملايين من اليمنيين. يضاف إلى ذلك فشل الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها في وقف تدهور الوضع الإنساني. مليارات الدولارات أنفقتها المنظمة الأممية كمساعدات إنسانية طيلة السنوات الماضية، لم تسهم بشكل فاعل في وقف التدهور المعيشي والإنساني، إذ لم يصل من المساعدات إلى أفواه الفقراء والجياع سوى اليسير، ومعظمها تنفق كنفقات تشغيلية وأجور نقل ويتم استنفاد الكثير منها في مشاريع لا علاقة لها بمعاناة اليمنيين.

الأمم المتحدة (التي أكدت قبل أسابيع أن الشعب اليمني يواجه كارثة إنسانية، وأن هناك 24,3 مليون يمني يحتاجون إلى نوع من المساعدة، والملايين من اليمنيين باتوا على بعد خطوة من الجوع ولا يستطيعون توفير الطعام لأنفسهم...) لا تزال تموّل برامج «الحقوق والحرّيات» بملايين الدولارات، كمكافحة ظاهرة الحد من الزواج المبكر والتحرّش الجنسي، وبرامج أخرى لا تمتّ إلى الوضع المأسوي الذي تستعرضه الأمم المتحدة مطلع كل عام أمام الدول المانحة للحصول على المزيد من الأموال.

حتى اليوم، أنفقت المنظمة 20 مليون دولار كنفقات تشغيلية على مكتب مبعوثها لدى اليمن مارتن غريفيث. وبلغت فاتورة الاتصالات من هاتف وإنترنت، التي استخدمتها المنظمات الدولية في اليمن العام الماضي، 1,4 مليون دولار.

وما يقوم به برنامج الغذاء العالمي من توزيع مساعدات غذائية (الكثير منها شارف على الانتهاء أو منتهي الصلاحية) لا يزال محدوداً مقابل اتساع نطاق الفقراء والمعدمين في البلد.

برامج تكافل في الشمال... واحتجاجات في الجنوب
يعود تماسك المجتمع في المحافظات الواقعة تحت سيطرة حكومة الإنقاذ، بخلاف مناطق أخرى، إلى التكافل الاجتماعي الكبير الذي حال دون وقوع الآلاف من الأسر في شراك الجوع، وقيام حركة «أنصار الله» بافتتاح مخابز خيرية تحت إشراف مؤسسات تابعة لها. فعلى مدى أيام العام، تقوم مؤسسة «بنيان» بتوزيع قرابة 400 ألف حبة رغيف على الأسر الفقيرة والمعدمة. كما تقوم «الهيئة العامة للزكاة» بتوزيع كميات كبيرة من الغذاء للأسر الفقيرة والمعدمة. يضاف إلى ما تقدّم دور القبيلة في مؤازرة أفرادها، ودور القطاع الخاص في الإسهام بالحد من معاناة الفقراء.

يختلف الأمر في المحافظات الجنوبية، حيث تتواصل الاحتجاجات منذ أسابيع. وقد ازدادت التظاهرات المطالبة بتحسين الأوضاع مع دخول فصل الصيف وشهر رمضان. وتعيش محافظات عدن ولحج وأبين، وشبوة وحضرموت النفطيتين، اضطرابات شعبية غاضبة طالبت بطرد أي قوات تابعة للسعودية والإمارات، احتجاجاً على الدور التدميري لتلك الدول في المحافظات الجنوبية والشرقية.