لا يبدو أن محاولة الإمارات تقديم غنيمتها من الحرب على اليمن، أي احتلالها جزءاً من المحافظات الجنوبية في هذا البلد، قرباناً على مذبح التطبيع مع إسرائيل، تمضي على ما يرام. باستثناء "المجلس الانتقالي الجنوبي"، الذي رَحّبت قياداته الموجودة في أبو ظبي والرياض بالاتفاق الإماراتي - الإسرائيلي، ووعَد نائب رئيسه هاني بن بريك بزيارة الكيان العبري حال توقيع الاتفاق رسمياً، لم يصدر عن الكثير من الشخصيات والتيارات السياسية والنخب الجنوبية إلا ردود فعل مستنكرة للتطبيع. وعَبّرت تلك الأطراف، عبر المواقع الإلكترونية والصحف وشبكات التواصل الاجتماعي، عن سخطها على موقف "الانتقالي" في هذا الصدد، مستذكرة ما سَمّته "أيام الزمن الجميل" (سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته)، والتي كانت بلادهم فيها تعتبر ملاذاً آمناً للقضية الفلسطينية، بعدما وَفّر لها النظام الاشتراكي آنذاك كلّ الإمكانات العسكرية والتدريبية والتسليحية، فضلاً عن تبنّيه إياها على المستوى السياسي في المحافل الدولية والإقليمية.

واعتبر كتّاب وناشطون جنوبيون أن ترحيب "الانتقالي" بالخطوة الإماراتية، وإبداءه الاستعداد للحاق بها، يعبّران عن ارتهان المجلس لداعميه، وغياب الإرادة الوطنية لديه، وتغليبه مصلحة أولياء نعمته على مصلحة بلده، فضلاً عن إدارته الظهر لتاريخ الجنوب المشرّف، والذي أُسِّست دعائمه على الانخراط في النضال العربي والقومي، وتبنّي القضية الفلسطينية، ورفض مشاريع الهيمنة الأميركية في المنطقة. وشدّد هؤلاء على أن الاختلاف مع دعاة التطبيع إنما هو على مبادئ وقيم "سَنظلّ نتمسّك بها أيّاً كانت الظروف والضغوطات والمغريات" ووسائل الترهيب، وعلى رأس تلك المبادئ حق الشعوب المقهورة في مقاومة الظلم والاحتلال.

من المقرّر أن تشهد الأيام المقبلة مزيداً من التحركات والفعاليات


مع هذا، أبدت مصادر مطّلعة في الحراك الجنوبي، في حديث إلى "الأخبار"، خشيتها من أن يفتح التطبيع الإماراتي الباب أمام النفاذ الإسرائيلي إلى الجنوب، وتحويل الأخير ساحة للعمل الأمني والعسكري المشترك بين الجانبين. تحسّباً لذلك، بدأت القيادات والشخصيات الوطنية الجنوبية سلسلة تحركات رفضاً لإلحاق بلادها بركب التطبيع. وعلى رأس تلك الشخصيات، الزعيم المعروف حسن باعوم، الذي أصدر بياناً بالمناسبة ذكّر فيه بتاريخ نصرة "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" (سابقاً) للقضية الفلسطينية، مشدّداً على أن لا رضى إلا بما يرضاه الفلسطينيون. ويوم أول من أمس، سَيّر موالون لباعوم، من تيارات مختلفة، تظاهرة حاشدة في عدن، صدر في ختامها بيان أكد أن الجنوب كان ولا يزال وسيبقى "قلعة للقضية العربية وثوارها الأحرار جميعاً، وسَبّاقاً إلى نصرة القضية الفلسطينية بوصفها القضية الأولى والمركزية لشعوب أمتنا العربية والإسلامية جمعاء"، على رغم كلّ الظروف والأوضاع الاستثنائية التي يعيشها وأهوال الحرب التي يعاني منها. وأضاف البيان "(إننا) نقف صفاً واحداً ضدّ التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي ومَن يسير في ركبه مِن بيننا". واستنكر ما سبق أن كشفه بعض الصحف الإسرائيلية عن "الأصدقاء السرّيين الجدد" للكيان في جنوب اليمن، والتصريحات والردود المتخاذلة التي صدرت عن أولئك عقب إشهار العلاقات بين تل أبيب وأبو ظبي، مُنبّهاً إلى أن تلك المواقف لا تُمثّل إلا أصحابها، و"لا تعني شعبنا الجنوبي الأصيل لا من قريب ولا من بعيد، ولا تُعبّر على الإطلاق عن القضية الجنوبية وحراكها الحرّ ومناضليها الشرفاء من أبناء الجنوب، وفي طليعتهم المناضل الوطني والقومي الكبير، الزعيم حسن باعوم".
ووفقاً لمعلومات "الأخبار"، من المقرّر أن تشهد الأيام المقبلة مزيداً من التحركات والفعاليات رفضاً للتطبيع و"صفقة القرن"، وتأكيداً أن الشعب في جنوب اليمن كان وسيظلّ داعماً للشعب الفلسطيني وحقه في أرضه ودولته، ولن يحيد عن ذلك.