أقصى ما يمكن أن يقوم به «التحالف» السعودي هو تكرار قصف العاصمة اليمنية صنعاء التي تعرّضت في السنوات الخمس الماضية لقصف وتدمير منهجي، وهو ما اعتاده الصنعانيون، واليمنيون عموماً. تكرار قصف الأهداف نفسها، المدنية أو العسكرية، لا يغيّر في المعادلة الاستراتيجية، ولا يؤثّر في فعالية منظومة ووسائل الصمود اليمني على المستويين المدني (الشعبي) والعسكري. وعليه، لا يعدّ القصف الذي تعرّضت له صنعاء ومدن أخرى أمس بالحدث الجديد. من هنا، يكون هذا القصف محاولة ردعية غير صالحة في الزمان والمكان والظروف الموضوعية، فضلاً عن أنها فقدت عناصر الدفع السياسي والعسكري، الإقليمي والدولي، المنشغلة حالياً في معالجة احتواء وباء «كورونا» والآثار المترتبة عليه في أكثر من صعيد. لم يعد للنظام السعودي القدرة على فرض معادلات تغييرية، أو حتى الضغط على القيادة اليمنية، فهي محاولات مجرّبة لديها، تجاوزتها صنعاء، وتكرارها دليل على محدودية الخيارات وعدم فعالية الردود السعودية.

قصف العاصمة بداية العام السادس للحرب هو أيضاً تعبير عن هرب الرياض من المواجهة المباشرة في الميدان، وإقرار بعجز وكلائها عن الإنابة عنها في القتال، لأسباب بينها غياب الأهداف المشروعة التي يقاتلون من أجلها، ومن ثمّ فقدان الدوافع الوطنية والشعبية لديهم. وبعد الهزائم الأخيرة، ولا سيما سقوط خط الدفاع الأول عن مأرب باستعادة الجيش اليمني واللجان الشعبية معسكر «اللبنات» وقبله «كوفل»، اقتربت قوات صنعاء أكثر من المناطق المأهولة في المدينة. وهو أمر سيوفّر لها خيارات عسكرية في أكثر من اتجاه، فضلاً عن أن السيطرة على مأرب تمكّنها من امتلاك وسائل القوة الاقتصادية مع استعادة حقول النفط والغاز شرقي المدينة.
على نقيض الجانب اليمني، إن الجانب السعودي في موقع المربك والمثقل بالأعباء والمتاعب الداخلية والاقتصادية والعسكرية، وليس لديه القدرة على تحمّل تبعات ونتائج الاستمرار في الحرب. من المتعذّر تصوّر أي حال سيكون عليها إنتاج النفط السعودي ومدى تأثير ذلك في الأسواق العالمية، في حال قرّرت صنعاء تكرار ضربة «أرامكو» التي أطاحت نصف الإنتاج السعودي من النفط خريف العام الماضي، خصوصاً في ظل أزمة السقوط المدوّي لأسعار النفط العالمي. والقدرة على تكرار الضربة لا تزال تمتلكها صنعاء، إضافة إلى مفاجآت أخرى وعدت بها القيادة اليمنية منذ أقل من أسبوع.

القصف محاولة ردعية فقدت عناصر الدفع السياسي والعسكري


ارتفعت في الساعات الماضية المطالبات الشعبية في صنعاء بتوسيع بنك الأهداف اليمني، وأن يشمل البنية التحتية والأهداف الحيوية والاقتصادية السعودية، ليطاول محطات الكهرباء وتكرير المياه وغيرها من الأهداف الحيوية، في إطار الرد على التمادي السعودي. وكانت بالفعل قد تعرّضت أهداف عسكرية في العاصمة السعودية، أول من أمس، لقصف صاروخي وبالطائرات المسيّرة كرد على استمرار الغارات الجوّية لـ«التحالف»، بعد أن أحصت السلطات اليمنية أكثر من 200 غارة على مناطق يمنية متفرّقة في غضون 24 ساعة.
يأتي كل ذلك مع دخول الحرب عامها السادس، وأيضاً مع الحديث عن الهدنة. تلطّت الرياض خلف بيان حكومة الرئيس اليمني المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، التي رحّبت بدعوة الأمم المتحدة الأطراف المتحاربين في اليمن إلى وقف «الأعمال العدائية» وبذل الجهود لمواجهة الانتشار المحتمل لـ«كورونا». وذلك مع العلم بأن «دبلوماسية التلطّي» هذه لم تعد تنطلي على أحد، وكل الأطراف المعنيّين يدركون أن البيانات التي تصدر عن حكومة هادي يكتبها ضباط من «اللجنة الخاصة» السعودية المكلفة بالملف اليمني، ولا قيمة سياسية أو قانونية لها. من جهتها، رحّبت صنعاء، على لسان رئيس وفدها التفاوضي، محمد عبد السلام، بالدعوة الأممية، لكنها اشترطت أن يكون عرض المنظّمة مقروناً بموافقة علنية من دول العدوان على رفع الحصار ووقف الحرب.
بات واضحاً أن الجانب السعودي يحاول وقف الأعمال العسكرية من دون أن يتقدّم بأي خطوة باتجاه رفع الحصار أو إبداء الاستعداد لإيقاف الغارات الجوّية، فيما ترى صنعاء أن أيّ مبادرة لا تتضمن رفع الحصار ووقف العدوان غير مقبولة. وقد حاول المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، في الأيام الماضية، استغلال قضية «كورونا» للدعوة إلى وقف العمليات القتالية بلا أي خطوة باتجاه رفع الحصار. وبدلاً من أن تقدّم الأمم المتحدة المساعدة في مجال مكافحة الوباء وتزويد اليمنيين بالتجهيزات اللازمة، خضعت المنظمة الدولية للضغوط الأميركية التي أطلقها وزير الخارجية مايك بومبيو، أثناء زيارته مقرّ المنظمة الشهر الماضي، في إطار مشروع منهجي للعودة إلى ليّ ذراع صنعاء بالضغوط الاقتصادية والإنسانية. ومن المقرّر أن تبدأ الوكالات التابعة للأمم تخفيض مساعداتها الانسانية لليمن ابتداءً من أيار/مايو المقبل، فيما لم تقدّم «منظمة الصحّة العالمية» أي مساعدة تخص «كورونا» حتى الآن.