أثار إعلان الإمارات، المتجدّد أمس، عودة قواتها من اليمن الكثير من التساؤلات حول توقيته والجهات المستهدفة به والرسائل المُوجّهة من خلاله، وقبل ذلك مدى جدّيته. وفيما رأت جهات مطلعة في الإعلان رسالة إلى «الشقيقة الكبرى»، أي السعودية، في ظلّ تنامي الصراع الصامت بين البلدين حول كيفية إدارة الحرب في اليمن، فضلاً عن الخلاف المستعصي في شأن تقاسم المغانم في الجنوب، اعتبر مراقبون أن الخطوة تنمّ عن خشية الإمارات من إمكانية استهدافها في العمق بعد عملية «البنيان المرصوص»، ولا سيما أن تقارير إعلامية ذكرت أن طائرات من دون طيار حلّقت أخيراً فوق مدينتَي أبو ظبي ودبي في مهامّ استطلاعية.

وما عزّز تلك التكهنات المتباينة هو طريقة الإعلان، إذ جاء عبر استعراض عسكري، مترافق مع تغريد كبار رجالات الدولة وأمرائها وقياداتها العسكرية والسياسية عبر وسم موحّد هو «الصقور المخلصين العائدين». وعلى رأس هؤلاء كان ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، الذي تفاخر بما سمّاه «دورهم الوطني والإنساني (الذي) أوقد شعلة الأمل لأشقائنا في اليمن»، مؤكداً أن «الإمارات ستبقى عضيداً للشقيق وجسراً للسلام». والجدير ذكره، هنا، أن هذه «الاحتفالية» تأتي من دون أسباب حقيقية موجبة؛ إذ أن خارطة الانتشار الإماراتي في جنوب اليمن لا تزال ثابتة، كما أن القوات الإماراتية لا تزال تمارس مهامّها وفق الصيغة المتفق عليها مع الجانب السعودي. وكانت أبو ظبي أعلنت، الصيف الماضي، أنها انتقلت من الاستراتيجية العسكرية إلى استراتيجية «السلام أولاً»، لكن جلّ ما قامت به في حينه هو تخفيض عديد قواتها في الساحل الغربي، والانسحاب كلياً من مدينة عدن. وفي ما عدا ذلك بقيت جميع القوات متموضعة في أماكنها السابقة، ولا سيما في المحافظات الشرقية (حضرموت وشبوة وسقطرى).

لا تزال صنعاء ترى أن مزاعم الانسحاب الإماراتية المتكرّر هي إعلانات مخادعة وكاذبة


وفي تكرار لذلك الإعلان، قال قائد «العمليات المشتركة في اليمن»، الفريق الركن عيسى المزروعي، في احتفال عسكري أول من أمس، إن بلاده تحوّلت من «استراتيجية الاقتراب المباشر التي نفذتها القوات المسلحة باحتراف عالٍ إلى «استراتيجية الاقتراب غير المباشر التي تنفذها القوات اليمنية بنفسها اليوم»، قاصداً بهذا وكلاء الإمارات المحليين، سواء في الساحل الغربي حيث ميليشيات «حراس الجمهورية» و«الألوية التهامية» و«ألوية العمالقة»، أم في الجنوب حيث «الحزام الأمني» و«النخبة الحضرمية» و«النخبة الشبوانية» والألوية التابعة لرئيس «المجلس الانتقالي الجنوبي» عيدروس الزبيدي. وفي الإطار المتقدّم، بدا لافتاً حديث المزروعي عن أن بلاده قامت خلال السنوات الخمس الماضية بـ«تجنيد وتدريب وتجهيز أكثر من 200 ألف جندي يمني»، علماً أن العدد الرسمي المُعلَن سابقاً لم يكن يتجاوز 90 ألف مقاتل. كذلك، جدّد المسؤول الإماراتي لازمة «السيطرة على 85% من الأراضي اليمنية»، ناسباً إياها إلى بلاده. كما لم يتردّد في التفاخر بأن عدد الطلعات الجوية للإمارات في خلال الحرب بلغ أكثر من مئة وثلاثين ألف طلعة، مع ما تسبّبت به تلك الغارات من كوارث لليمنيين.
وبالعودة إلى أسباب الإعلان الإماراتي، فالراجح أن الإمارات باتت تدرك أكثر من أيّ وقت مضى خطورة مشاركتها في العدوان على اليمن، وخصوصاً بعد عملية «البنيان المرصوص» التي أصبح خلالها الجيش واللجان الشعبية على مشارف مدينتَي مأرب وحزم الجوف، واللتين أصبحتا بحكم الساقطتين عسكرياً. وفي ظلّ دفع شديد من قِبَل أطراف في ما تسمّى «الشرعية» نحو التحلّل من «اتفاق استوكهولم»، وإعادة فتح جبهة الساحل الغربي، تخشى أبو ظبي التورّط مجدداً في معركة خاسرة سيكون من تبعاتها استهداف عمقها من قِبَل صنعاء؛ إذ أن الأخيرة تعتبر أن الفصائل الفاعلة على تلك الجبهة تأتمر بأوامر الإمارات، وبالتالي فهي ستُحمّل الأخيرة المسؤولية عن أيّ تطور من هذا النوع. والجدير ذكره، هنا، أن صنعاء ترى، إلى الآن، أن مزاعم الانسحاب الإماراتية المتكرر هي إعلانات مخادعة وكاذبة، وأنه ما دامت الإمارات لم تنسحب بشكل رسمي من «التحالف»، وبشكل عملي من أرض المعركة، فهي شريكة فعلية في العدوان.