صنعاء | على رغم وجود توجّه لدى «التحالف» لإحياء التصعيد العسكري في اليمن على الجبهات كافة، وهو ما كانت قد بدأت بوادره يوم الجمعة الماضي بهجوم واسع شنّته القوات الموالية له في جبهة نهم، إلا أن المعارك التي تشهدها الأخيرة منذ ما بعد الهجوم الصاروخي ليل السبت ــــ الأحد تميط اللثام عن خلافات متجددة داخل المعسكر السعودي ــــ الإماراتي، في ظلّ سعي «الإصلاح» لاستثمار الهجوم من أجل إضعاف خصومه وردّ الضربات التي كانوا قد وجّهوها له.

مجدّداً، تعود القوات الموالية لـ«التحالف» إلى إحياء معركة صنعاء من النقطة الصفر، بعدما فقدت كلّ مكتسباتها في جبهتَي نهم وصرواح العام الماضي. وعلى غير العادة، يتجدّد التصعيد في مديرية نهم شمالي شرقي العاصمة صنعاء، والتي كانت قد شهدت ركوداً لأكثر من عامين، من دون إعلان مسبق من قِبَل وزارة الدفاع في حكومة هادي، والمتّهمة من قِبَل حزب «الإصلاح» (إخوان مسلمون) بالولاء للإمارات. امتناعٌ يفسّره كونُ التصعيد الذي تشهده جبهات المديرية البالغة مساحتها 1720 كلم، منذ السبت الماضي، يحمل بصمات الجناح العسكري لـ«الإصلاح» الذي يتبع أسلوب حرب العصابات، من دون أن يبدّد ذلك الغموض الذي يكتنف المعارك الأخيرة وعديد المشاركين فيها وهويتهم.
«المنطقة العسكرية الثالثة» الموالية للرئيس المنتهية ولايته عبد ربه منصور هادي (مقرّها في مأرب) وجدت نفسها تابعة وليست صاحبة القرار في المعارك التي تدور على أشدّها هناك. ومع ذلك، حاول قائدها اللواء محمد أحمد الحبيشي التغطية على ما يُعدّ انقلاباً عسكرياً غير معلن عليه، بعدما تمكّن «الإصلاح» من اختطاف قرار تحريك المعسكرات وتوجيهها. إذ، بعد أيام من اندلاع المعارك، عمد الحبيشي إلى تسجيل حضوره إعلامياً، بتصريح صحافي قال فيه إن قواته تمتلك القوة والقدرة على الحسم، متجنّباً الحديث عن أيّ تفاصيل في شأن مستجدّات معركة نهم، والتي حرص «الإصلاح» على استثناء القوات الموالية لوزير الدفاع في حكومة هادي اللواء محمد المقدشي من المشاركة فيها. كما لم يتطرّق إلى عملية استهداف «معسكر الميل» التدريبي مساء السبت الماضي، والتي أدت إلى مقتل 111 من قوات «الحماية الرئاسية» التابعة لهادي، علماً بأن الطرفين دأبا خلال العامين الماضيين على تبادل الاتهامات على خلفية حوادث مماثلة كعملية استهداف «معسكر كوفل» العام الماضي والتي أدت إلى مقتل العشرات، وحادثة مقتل قائد «المنطقة العسكرية الثالثة» السابق اللواء عبد الرب الشدادي المقرّب من «الإصلاح» قبل عامين، والتي يتهم «الإصلاح» مقرّبين من وزير الدفاع الحالي بالوقوف وراء تسريب الإحداثيات التي أدّت إليها. هذا الصراع دفع القوات الإماراتية، العام الماضي، إلى العمل على سحب البساط من تحت أقدام قيادات «الإصلاح» العسكرية في مأرب، عبر الدفع بالشيخ القبلي عزيز بن صغير الذي يتقلّد رتبة لواء إلى الواجهة، لتمكينه من قيادة «القوات المشتركة» في المحافظة. وهي خطوة أزعجت «الإصلاح»، ودفعته أخيراً إلى التفرّد بقرار المعركة وإقصاء شركائه منها، الأمر الذي يفسّر تراجع غارات طيران «التحالف» خلال الأيام الماضية على جبهة نهم وفق تأكيد مصادر عسكرية مناهضة لـ«الإصلاح» في المحافظة، بل وعودة «الغارات الصديقة» التي استهدفت مجاميع من الحزب في جبهة نهم، وتسبّبت بمقتل وإصابة العشرات.

التصعيد الذي تشهده جبهات نهم منذ السبت الماضي يحمل بصمات الجناح العسكري لـ«الإصلاح»


حكومة هادي، التي سارعت إلى اتهام قوات صنعاء بالمسؤولية عن هجوم ليل السبت ــــ الأحد، لم تطرح مبرّرات لاتهاماتها، كما لم تقدّم تفسيراً لما أحاط بالواقعة من ملابسات وما تلاها من تطورات. فبعد الهجوم المذكور، هزّ انفجار عنيف مساء الاثنين مدينة مأرب، فما قالت مصادر إنه ناجم عن صاروخ سقط بالقرب من «المنطقة العسكرية الثالثة»، بعدما أخطأ هدفه المتمثل في «معسكر القوات الخاصة» في الوقت نفسه الذي استهدف فيه صاروخ آخر «معسكر الميل». هذه الوقائع ضاعفت الشكوك المحيطة برواية حكومة هادي في شأن مقتلة الجنود الجنوبيين، في ظلّ تأكيد قيادات عسكرية كبيرة موالية لها في مأرب ومعها ناجون من المجزرة أن الصاروخ الذي استهدف «الميل» جاء من الشرق، أي من ناحية بلحاف في شبوة وليس من اتجاه صنعاء. كذلك، اتهم وزير النقل في حكومة هادي، صالح الجبواني، الإمارات، بالوقوف وراء الهجوم، داعياً إلى تشكيل لجنة تحقيق محايدة، وهي الدعوة التي أيّدها أيضاً قائد «اللواء الرابع ــــ حماية رئاسية» العميد مهران القباطي، الذي لم يتّهم ــــ مع هذا ــــ أيّ جهة بالوقوف وراء استهداف جنوده.
ومع تصاعد الشكوك في صحة بيان رئاسة هيئة الأركان التابعة لهادي في شأن «هجوم الميل»، والذي يُعتقد بأن دائرة التوجيه المعنوي الخاضعة لسيطرة «الإصلاح» في مأرب تقف وراءه (نفى القيادي في «أنصار الله» محمد البخيتي ما ورد فيه لناحية اتهام الحركة بالمسؤولية عن العملية)، استغلّ حزب «الإصلاح» الهجوم لإثارة حماسة جنوده للقتال، وإشعال جبهات صرواح وجبال ملح والقتب ومناطق أخرى في حريب القراميش ومحيط جبل هيلان الاستراتيجي الذي يطلّ على خط مأرب ــــ مفرق الجوف بدعوى الثأر لضحايا الضربة الأخيرة. وفي هذا الإطار، اتهم عضو «الجمعية الوطنية» التابعة لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، وضاح بن عطية، أول من أمس، «الإصلاح»، بـ«اختلاق انتصارات وهمية في نهم لتغطية جريمة قتل 100 جنوبي في معسكر الاستقبال في مأرب»، واصفاً «ما يعلنه حزب الإصلاح عن مقتل العشرات من الحوثيين في نهم، من دون أن يعرض أيّ جثة»، بأنه «أخبار وهمية تكرّرت منذ خمس سنوات وتصدّقها القيادة السعودية». وتتجنّب أوساط «الإصلاح»، في تناولها معارك نهم، تسمية مناطق بعينها أو تقديم ما يثبت حصول تقدّم لها هناك. وفي ظلّ استمرار المعارك واشتدادها على أكثر من محور في نهم، تسري توقعات بأن تعلن قيادة صنعاء، رسمياً، خلال الأيام المقبلة، عن «مفاجأة جديدة» في هذه الجبهة.