صنعاء | تعيش محافظة الحديدة الساحلية حالة رعب حقيقية منذ أكثر من أسبوع، جراء تجدّد تفشّي الأوبئة الفتّاكة في عدد من المديريات الجنوبية للمحافظة، والواقعة في نطاق الساحل الغربي، الذي يشهد هو الآخر تصعيداً عسكرياً منذ أيام. وباءا الملاريا وحمى الضنك انتشرا بصورة غير مسبوقة في مناطق مديرية الجراحي، ليتسبّبا بوفاة عشرات السكان وإصابة آلاف آخرين الكثير منهم أطفال، قبل أن يمتدّا أواخر الأسبوع الماضي إلى مديريتَي زبيد والزهرة، مُهدّدَين حياة الآلاف من السكان في المناطق القريبة من خطوط التماس بين الجيش اليمني واللجان الشعبية والميليشيات الموالية للإمارات في حيس والجاح والتحيتا والفازة، وهو ما يصعّب على الفرق الطبية الوصول إليهم.

ارتفاع عدد ضحايا حمى الضنك في الحديدة إلى أكثر من 68 حالة وفاة معظمهم أطفال، وتجاوز المصابين به 2890 حالة خلال أيام فقط، دفعا بوزارة الصحة العامة في حكومة الإنقاذ في صنعاء، منتصف الأسبوع الماضي، إلى إعلان حالة الطوارئ الداخلية في محافظات الحديدة وحجة وأجزاء من صعدة والمحويت وريمة وإب. وفي أعقاب ذلك، وصلت العشرات من الطواقم الطبية من صنعاء إلى الحديدة، لتقديم الخدمات الطبية والعلاجية والتمريضية والإسعافية للمصابين، فضلاً عن توفير الأدوية اللازمة والمحاليل لـ«مستشفى الجراحي»، وتجهيز عدد من المستشفيات في المديريات القريبة استعداداً لأيّ طارئ، ونقل المئات من المصابين من النساء والأطفال والشيوخ عبر جسر طبي إلى مستشفيات الحديدة وإب وصنعاء لإنقاذهم من الموت. كلّها جهود لم تُسهم في تحجيم تلك الجائحة الوبائية التي امتدّت بسرعة (في غضون أيام) من مديريات جنوب الحديدة إلى محافظتَي حجة وتعز القريبتين، فيما أُعلن عن اكتشاف مئات الحالات المصابة بالوباء نفسه في محافظتَي أبين ومأرب الواقعتين خارج نطاق سيطرة حكومة صنعاء.

ارتفع عدد ضحايا حمّى الضنك في الحديدة إلى أكثر من 68 حالة وفاة معظمهم أطفال


الناطق الرسمي باسم وزارة الصحة في «الإنقاذ»، يوسف الحاضري، أشار إلى أن الوزارة كانت نبّهت إلى خطر تجدّد انتشار الأمراض والأوبئة في محافظة الحديدة مع موسم الأمطار، وفي ظلّ استمرار تدهور البنية التحتية نتيجة العدوان، لافتاً إلى أن الوزارة سجّلت منذ مطلع العام الجاري 116 ألف إصابة مؤكّدة بالملاريا، ونحو 32 ألف إصابة مؤكّدة بحمى الضنك. وعلى رغم استمرار توافد الطواقم الطبية والإسعافية إلى الجراحي في الحديدة وفق ما يؤكد الحاضري، إلا أن مصدراً طبياً في المحافظة أفاد في تصريح إلى «الأخبار» بأن «عدد الإصابات بالضنك والملاريا لا يزال كبيراً ومخيفاً، ولم يتراجع على رغم الجهود المستمرة التي تبذلها وزارة الصحة لمكافحة الوباء والتخفيف من مخاطره على المجتمع»، متحدثاً عن عدد من التحدّيات التي تواجه الفرق الطبية وعلى رأسها «نقص المحاليل والسوائل الوريدية، وعدم توفر أجهزة فحص الفيروس الناقل للمرض»، مضيفاً أن «المئات من المصابين لم يصلوا إلى المستشفيات بسبب الأوضاع المعيشية القاسية التي يعيشونها، وعدم إدراكهم خطورة الوباء»، فضلاً عن أن «الفرق الطبية تواجه صعوبة في تقديم خدماتها للمصابين في عدد من المناطق التي تشهد مواجهات مسلحة جنوب الحديدة».
من جهته، وصف الصحافي المتخصّص في الشؤون الإنسانية في الحديدة، غمدان أبو علي، مستوى تفشي حمى الضنك في مديرية الجراحي وعدد من مديريات المحافظة بـ«الخطير»، مفيداً في تصريح إلى «الأخبار» بـ«ارتفاع عدد الوفيات بالوباء إلى أكثر من 65 حالة، وتسجيل المئات من المصابين بينهم أطفال ونساء وشباب، فضلاً عن أن هناك حالات وفيات لم يتم الكشف عنها». وأشار إلى أن «المستشفى الريفي في مديرية الجراحي يعاني نقصاً في الأدوية والمحاليل، وقدرته الاستيعابية صغيرة». ولفت إلى أن «عدداً من الحالات المصابة توفيت فور وصولها إلى المستشفى»، متابعاً أن «حالات أخرى توفيت من دون أن يتمّ إجراء الفحوصات المخبرية والمعاينات لها، نظراً للازدحام الشديد للمرضى المصابين بهذا الوباء، الذي وصل حتى إلى داخل مدينة الحديدة».
وفيما أعلنت وزارة حقوق الإنسان في صنعاء وصول حمى الضنك إلى مناطق في محافظة تعز، محذرة من «كارثة صحية» في تعز والحديدة، وداعية المنظمات الدولية إلى القيام بواجبها الإنساني حيال ذلك، نبّه «المنتدى الوطني للطفولة والشباب اليمني» إلى أن «عام 2018 شهد وضعاً كارثياً بالنسبة إلى الطفولة في اليمن، حيث سجّلت وزارة الصحة إصابة 203 آلاف و297 طفلاً بمرض الملاريا، الذي احتلّت محافظة الحديدة المرتبة الأولى في مناطق تفشّيه، تليها محافظتا حجة وتعز». وبحسب «منظمة الصحة العالمية»، فإن 700 ألف يمني أصيبوا بالكوليرا منذ قرابة خمس سنوات، فارق أكثر من 1000 منهم الحياة، وفق ما أفاد به المتحدث الإعلامي باسم المنظمة، كريستيان ليندماير، في مؤتمر صحافي أواخر الأسبوع الماضي. كما أفاد ليندماير بوفاة 100 شخص بمرض الدفتيريا، لافتاً إلى أن 20 مليون يمني يحتاجون إلى رعاية صحية ويعانون من سوء التغذية، محذراً من أن استمرار الحرب سيزيد من تدهور الوضع الصحي.