تبدو خطوات «المجلس الانتقالي الجنوبي»، الموالي لأبو ظبي، بعد أسبوع من تحقيقه انتصاراً عسكرياً على قوات حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، في مدينة عدن (جنوب)، محكومة بتفاهمات السعودية والإمارات، خصوصاً أن الأهداف التي حشد «الانتقالي» مقاتليه تحت رايتها خلال معركة الأيام الأربعة لم يتحقق شيء منها إلى الآن، ولا يبدو أيضاً أن ثمة خريطة طريق تؤدي إلى تحققها لاحقاً، ولا سيما إعلان الانفصال، أو بتعبير آخر قيام دولة الجنوب التي كانت موجودة قبل عام 1990. بعد تحقيق «الانتصار»، اكتفى «الانتقالي» بتظاهرة شعبية حشد لها من كل مدن الجنوب، وبيان سياسي أبدى فيه ترحيبه بالدعوة السعودية إلى الحوار مع حكومة هادي، وهي الدعوة التي ترفضها الأخيرة ما لم ينسحب «الانتقالي» من المواقع التي سيطر عليها بعد المواجهات.

في هذا الإطار، وصف نائب رئيس الدائرة الإعلامية لـ«الانتقالي»، منصور صالح، «الحديث عن الانسحابات بأنه أمر غير مفهوم»، نافياً علم المجلس بوصول لجنة سعودية إلى عدن للإشراف على هذه العملية. لكن مصادر مقربة من حكومة هادي أكدت لـ«الأخبار» أن اللجنة المذكورة وصلت بالفعل ظهر أول من أمس إلى المدينة، وأشرفت على تسليم قوات «الانتقالي» قصر معاشيق (مقرّ الرئاسة والحكومة في عدن) لقوات «اللواء الأول ـــ حماية رئاسية»، كذلك «وعدت بتسليم كل المواقع العسكرية، وعودة التموضع إلى ما كان عليه قبل اندلاع المواجهات»، بحسب المصادر نفسها. وفي موازاة ذلك، تراجع نائب رئيس «الانتقالي»، هاني بن بريك، عن تصريحاته التي هاجم فيها الرياض الأسبوع الماضي، على خلفية تهديد الأخيرة باستخدام الطيران ضد قوات المجلس إن لم يتراجع عن «الانقلاب». وأكد بن بريك، في تغريدة على «تويتر»، أنه «يوالي من والته الرياض وأبو ظبي، ويعادي كل من تعاديه الدولتان».
اللافت أيضاً أنه على رغم دعوته إلى التظاهرة التي شهدتها ساحة العروض في خورمكسر في عدن أول من أمس، إلا أن «الانتقالي» لم يتبنَّ الفعالية صراحةً، كذلك لم يحضرها أيٌّ من قياداته، فيما ذُيّل البيان الصادر عنها باسم «منظمات المجتمع المدني والنقابات». حدث ذلك على رغم أنه كان متوقعاً أن يعلن «الانتقالي» في هذه الفعالية بياناً سياسياً يضمّنه معالم مشروعه للمرحلة المقبلة بعد ما حقّقه حديثاً، خصوصاً أن وسائل إعلام تابعة له سرّبت معلومات عن أن قيادة المجلس ستعلن الانفصال من على منصة الحشد، لكن تبيّن لاحقاً أن تلك التسريبات مثّلت «حيلة» لاستقطاب الجماهير الجنوبية إلى الساحة، ولا سيما في ظلّ ما أظهرته الآونة الأخيرة من تراجع شعبية «الانتقالي». وبعد ساعات من انتهاء الفعالية، أصدر المجلس بياناً كرر فيه ما ورد في بياناته السابقة من أنه ملتزم «الشراكة مع التحالف لمواجهة الحوثيين والتمدد الإيراني»، إضافة إلى تأكيده أن «هدف استعادة دولة الجنوب خيار محسوم بالنسبة إلى الشعب».

أشرفت لجنة سعودية على انسحاب قوات «الانتقالي» من قصر معاشيق


في ضوء ما تقدم، لا يُستبعد أن تكون الرياض قد مارست ضغوطاً على المجلس حتى لا يخرج عن الخط المرسوم له من قِبَل «التحالف». خطّ يمكن إجماله بثلاثة محدّدات رئيسة، بعضها إماراتي فيما بعضها الآخر سعودي: أولها مواجهة حضور «حزب التجمع اليمني للإصلاح» (إخوان مسلمون)، وثانيها استقطاب الشباب للقتال على حدود السعودية وفي جبهات الشمال في مواجهة «أنصار الله»، وثالثها تحجيم حكومة هادي وإضعافها، خصوصاً بعدما تصاعدت مطالب وزراء فيها بما يسمّونه «الشراكة الحقيقية» مع «التحالف» ورفع الحظر عن الموانئ والمطارات.

حكومة جديدة؟
على أيّ حال، يبدو واضحاً أن الموقف السعودي اليوم يميل إلى مصلحة «الانتقالي»، خلافاً لما كان عليه في مواجهات العام الماضي، عندما أدّت الرياض دور الوسيط بين الطرفين. وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى «الأخبار»، فإن «القوات السعودية لعبت ــــ في معارك مطلع آب/ أغسطس ــــ دوراً محورياً أدى إلى انتصار الانتقالي»؛ إذ إنها «طلبت من قوات هادي الاستسلام مقابل ضمانتها لعناصر تلك القوات بسلامة أرواحهم»، الأمر الذي لمّح إليه أيضاً وزير الداخلية في حكومة هادي، أحمد الميسري، عندما استغرب «صمت المملكة عن الإمارات وهي تذبحهم من الوريد إلى الوريد».
موقف الرياض، المنحاز ولو بنحو غير معلن إلى «الانتقالي»، يكشف - بحسب مراقبين - اتخاذها قراراً بترتيب وضع حلفائها على الأرض، قبيل الذهاب إلى اتفاق سلام شامل بينها وبين «أنصار الله»، خصوصاً أن كل المؤشرات تفيد بأنّ سيطرة «الانتقالي» على عدن سينجم عنها تشكيل حكومة جديدة، وفق المخرجات التي ستصدر عن مؤتمر جدة المزمع عقده بين حكومة هادي و«الانتقالي» خلال الأيام المقبلة. وفي هذا الإطار، تقول مصادر «الانتقالي» إن الأخير يتمسك بتشكيل حكومة كفاءات تحت إشرافه مع بقاء رئاسة هادي مظلّةً «شرعية» لـ«التحالف» وللحكومة الجديدة أيضاً، فيما تفيد مصادر أخرى بأن الرياض تنحو إلى تشكيل حكومة جديدة يشارك فيها «الانتقالي» إلى جانب وزراء حكومة هادي، وذلك حتى تحافظ على بقاء قيادات «الشرعية» ضمن تحالفها، خوفاً من ذهابهم إلى دول إقليمية أخرى، خصوصاً أن عدداً منهم باتوا يعبّرون علناً عن امتعاضهم من الموقف السعودي، ويطالبون بتغيير خريطة التحالفات.