صنعاء | أعادت سلطات صنعاء، أخيراً، الملف الاقتصادي إلى الواجهة، طارحةً مبادرة تستهدف إنهاء معاناة موظفي الدولة، الذين يواجهون عقاباً جماعياً منذ أكثر من ثلاثة أعوام من قِبَل حكومة الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، ومن ورائها «التحالف». «المجلس السياسي الأعلى» وجّه فرع البنك المركزي في محافظة الحديدة بفتح حساب خاص لإيرادات موانئ الحديدة الثلاثة، واستخدامها في دفع رواتب موظفي الدولة في أنحاء البلاد كافة، على أن تسدّ حكومة هادي أي عجز مالي من إيرادات النفط والغاز والإيرادات الحكومية في المناطق الجنوبية والشرقية. ووصف المجلس مبادرته بأنها تعبّر «نصاً وروحاً» عن الشقّ الاقتصادي من تفاهمات استوكهولم، موضحاً أنها تأتي من أجل «إقامة الحجة» على مَن يعرقلون تطبيق فكرة «تحييد الاقتصاد». لكن مبادرة «السياسي الأعلى» قوبلت بتجديد حكومة هادي اشتراطها تحويل إيرادات الموانئ إلى حسابها في البنك المركزي في عدن، لتُصرف منها مرتبات موظفي محافظة الحديدة، وفي حال وجود فائض يتم صرف مرتبات موظفي الدولة في صنعاء وبقية المناطق. موقف رافقته إجراءات عملية على الأرض، تستهدف جميعها تشديد الحصار الاقتصادي والمالي، بدءاً من محاولة خنق حركة الملاحة البحرية في الحديدة، وليس انتهاءً بمصادرة إيرادات الجمارك والضرائب وضريبة المبيعات والرسوم الحكومية الأخرى، وفرضها بصورة إجبارية على التجار المورّدين من الخارج.

ومع ترجيح وقوف السعودية وراء التصعيد الاقتصادي الأخير، كرد فعل على تعرض عدد من مصالحها لهجمات جوية من قِبَل «أنصار الله» كمطارات أبها وجيزان، رأى الناطق باسم «أنصار الله»، رئيس وفدها التفاوضي، محمد عبد السلام، خلال لقائه الخميس الماضي في العاصمة العمانية مسقط، المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، ما تقوم به الرياض وحكومة هادي بمثابة «عقاب جماعي يهدد ملايين اليمنيين»، مطالباً غريفيث بالاستفادة من المبادرة التي تقدّم بها «السياسي الأعلى»، والتي «تصبّ في مصلحة المواطنين إذا ما ساعدت الأمم المتحدة في إنفاذها». من جهته، رأى مصدر في «اللجنة الاقتصادية العليا» في صنعاء أن المبادرة «تضع الطرف الآخر في مواجهة حقيقية مع الشعب، بعدما استنفد كل الذرائع والمبررات»، مشدداً في حديث إلى «الأخبار» على أن «للمبادرة ما بعدها»، ملمحاً في هذا الإطار إلى أن «الخيارات الاقتصادية المعلنة قبل شهرين لا تزال مفتوحة، وحتى الآن لم يُنفذ سوى عدد منها». وأكد أن «القادم سيكون أشدّ إيلاماً لدول تحالف العدوان»، مضيفاً إن «القوى الثورية والسياسية لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء سياسة التجويع التي يمارسها تحالف العدوان ضد الشعب اليمني منذ سنوات».
سياسة تمثلت آخر فصولها في إقرار حكومة هادي حصر استيراد المشتقات النفطية بشركة مصافي عدن، في محاولة منها للتحكم بالأسواق المحلية الخاضعة لسيطرة «أنصار الله»، وفرض التعامل بالطبعة الجديدة من العملة المطبوعة دون غطاء الممنوعة من التداول في صنعاء، وتوقيف شحنات النفط القادمة إلى ميناء الحديدة. وعلى رغم الانتقادات التي قوبل بها القرار، إلا أن حكومة هادي تبدو ماضية في تنفيذه، بما يخوّل «مصافي عدن» التي تعاني عجزاً مالياً حادّاً منذ أربع سنوات، استيراد أكثر من 70 ألف طن من المشتقات النفطية شهرياً، لتغطية حاجة السوق اليمني بقيمة تتجاوز 200 مليون دولار. وجاء قرار احتكار استيراد المشتقات النفطية بعد فشل حكومة هادي في تقديم أي دليل مادي على فرضية تهريب النفط الإيراني إلى «أنصار الله»، والتي ظلّت تروّجها على مدى السنوات الماضية، وتتخذها ذريعة لحجز السفن المحمّلة بالمشتقات النفطية القادمة إلى ميناء الحديدة، والتي تحمل تصاريح مرور من فريق التفتيش الأممي في جيبوتي. كذلك، يأتي القرار بعدما أوقفت «اللجنة الاقتصادية» التابعة لحكومة هادي استيراد المشتقات النفطية من موانئ سلطنة عمان والعراق، إضافة إلى ميناء الحمرية في إمارة الشارقة، في خطوة قالت إنها تستهدف «الحدّ من التجارة غير القانونية بالمشتقات النفطية».

«أنصار الله»: ما تقوم به الرياض بمثابة «عقاب جماعي يهدد ملايين اليمنيين»


وبالنظر إلى أن خزّانات النفط الخاصة بـ«مصافي عدن» مؤجّرة لتاجر النفط الكبير، أحمد العيسي، المقرب من نائب هادي، علي محسن الأحمر، ونجله جلال عبد ربه هادي، فقد عُدّ قرار حصر الاستيراد بشركة مفلسة تسليماً كاملاً للسوق اليمني للعيسي، بعدما مُنح الأخير حق احتكار الاستيراد للأسواق الجنوبية والشرقية للبلاد، من خلال صفقة فساد أُبرمت العام الماضي في الرياض. توصيفٌ ينسحب، كذلك، على الصفقة الجديدة، التي تعهّد بموجبها العيسي لمحافظ «مركزي عدن»، حافظ معياد، بتوريد ضرائب وجمارك النفط التي كانت تستوفيها سلطات صنعاء إلى فرع «المركزي» في عدن. وفي هذا الإطار، حذر عمال وموظفو شركة مصافي عدن من مخطط لخصخصة الشركة العملاقة لمصلحة «حيتان الفساد»، معلنين رفضهم هذا التوجه، والاعتصام في المصفاة حتى إفشال مخطط تصفيتها. كذلك، رفضت شركة النفط في عدن وصنعاء والمحافظات اليمنية الأخرى إجراءات حكومة هادي، متهمة الأخيرة بالسعي لإفراغ مصافي عدن من دورها الوطني في تكرير النفط وتموين السوق المحلي بالنفط الوطني، وكذلك تصفية شركة النفط اليمنية لمصلحة «التحالف». وأعلنت النقابة العامة لتجار النفط في صنعاء، بدورها، رفضها القرارات الأخيرة، متهمة «اقتصادية عدن» بتشديد الخناق على القطاع الخاص مع ما سيؤدي إليه ذلك من أزمات خانقة في السوق، وخصوصاً مع منع دخول عشرات السفن المستوردة من موانئ الإمارات، وفق آليات الاستيراد الدولية المتعارف عليها، وعبر شركات سعودية وإماراتية.