صنعاء | بعد رفض «الهيئة العامة للمواصفات والمقاييس» في ميناء الحديدة إدخال عدد من الشحنات الغذائية المنتهية الصلاحية إلى الأراضي اليمنية، أعلن «برنامج الغذاء العالمي» التابع للأمم المتحدة فرض ما يشبه العقاب الجماعي على 850 ألف يمني مستفيد من مساعداته، بتعليقه تلك المساعدات بدعوى «انحراف مسار توزيعها». إعلان دفع العشرات من المنظمات المحلية، وكذلك «اللجنة الفنية للإغاثة الإنسانية» في العاصمة، إلى التحذير من تفاقم الأوضاع الإنسانية على هذه الخلفية، مُحمّلة الأمم المتحدة المسؤولية عن ذلك.

وعلى رغم قيام حكومة الإنقاذ في صنعاء بدعوة الممثلة المقيمة للأمم المتحدة في اليمن، ليز غراندي، الأحد الماضي، إلى معاينة المساعدات الفاسدة الضخمة التي ضُبطت خلال الأشهر الماضية، يجدّد «البرنامج» ضغوطه على صنعاء، مُصرّاً على إدخال شحنات الغذاء المليئة باليرقات والحشرات لكي يقوم بتوزيعها على الفقراء، متّهماً «أنصار الله» بإعاقة إيصال إعانات طارئة تكفي لإطعام نحو 100 ألف أسرة.


ووفقاً لعدد من الوثائق التي حصلت «الأخبار» على نسخ منها، فإن «المواصفات والمقاييس» في الحديدة أوقفت، الشهر الماضي، دخول أربع شحنات إغاثية تم استيرادها من قِبَل شركات مقاولات تجارية لصالح «برنامج الغذاء»، مكوّنة من أكثر من 50 ألف كيس قمح ودقيق من إثيوبيا والسودان، بالإضافة إلى 6000 طن من القمح تالفة ومسوّسة، و3225 طنّاً من الفاصولياء الفاسدة. وبفعل ذلك، طالبت «المواصفات والمقاييس» اليمنية بإعادة الشحنات على متن السفن نفسها إلى بلدان التصدير، وهو ما قوبل برفض «البرنامج» الذي يدّعي أن الشحنات صالحة للاستخدام الآدمي، على رغم إقراره خلال العامين الماضيين بوجود شحنات فاسدة تمت إعادتها إلى الدول المصدّرة.

مكاشفة علنية
وفي ظلّ إصرار الأمم المتحدة على كيل الاتهامات لسلطات صنعاء، اتجهت حكومة الإنقاذ أخيراً إلى المكاشفة، إذ واجهت جمارك صنعاء، خلال مؤتمر صحافي عُقد في العاصمة مطلع الأسبوع الجاري، الأمم المتحدة و«برنامج الغذاء» بعرض 24 ألف طن من المساعدات الفاسدة، منها 15 ألف طن مواد غذائية مكملة للحوامل، وكميات كبيرة من الأدوية المنتهية الصلاحية. جاء ذلك في وقت أُعلن فيه في محافظة الحديدة، خلال الأيام الماضية، ضبط 6 آلاف طن من الفاصوليا الفاسدة التابعة لـ«البرنامج»، فيما ضُبطت في محافظة صعدة كميات كبيرة من غذاء الأطفال المنتهي الصلاحية. أما في محافظة حجة، فضبطت السلطات كميات كبيرة من الدقيق التالف والمنتهي الصلاحية، في حين أُتلفت كميات كبيرة من المساعدات المنتهية الصلاحية في محافظات ريمة وإب وتعز وذمار والمحويت.
اقترحت صنعاء على الأمم المتحدة صرف مساعدات مالية بدلاً من العينية


تفشّي المساعدات الفاسدة على هذا النحو اعتبرته قيادة «المجلس السياسي الأعلى» في صنعاء وحكومة الإنقاذ استهتاراً فاضحاً بحياة ملايين اليمنيين، مطالبةً البرنامج بتغيير آلية عمله، ومنع تكرار استيراد شحنات مواد غذائية فاسدة أو تالفة أو منتهية الصلاحية. كما اتهم رئيس «اللجنة الثورية العليا» التابعة لـ«أنصار الله»، محمد علي الحوثي، «برنامج الغذاء» باللجوء إلى إيقاف توزيع المساعدات للتغطية على الفساد، داعياً المدير التنفيذي لـ«البرنامج« إلى «الاستماع جيداً للاعتراضات».

عيوب النظام البيومتري
يعيد المدير التنفيذي لـ«برنامج الغذاء»، ديفيد بيزلي، تعليق المساعدات إلى عمليات التلاعب وعدم وصول كميات كبيرة من الإعانات إلى مستحقيها. عمليات لا تنكر صنعاء وجودها، وهي وجّهت بالفعل بالتحقيق فيها، إلا أنها طرحت في الوقت نفسه عدداً من الحلول لتلافي هذا الأمر، ودعمت تصحيح سجلات المستفيدين للغرض نفسه. وعلى مدى الأشهر الماضية، حاولت صنعاء إقناع الأمم المتحدة بخيارات بديلة، مثل صرف مساعدات مالية عوضاً عن العينية، والاعتماد في ذلك على آليات توزيع شفافة عبر المصارف والبنوك، وإتاحة المجال لإفادة تجار السوق المحلي.
في المقابل، اقترح «البرنامج» تفعيل نظام التسجيل البيومتري للمستفيدين (نظام البصمة البيولوجية)، من أجل التغلّب على عمليات التلاعب. لكن «الهيئة الوطنية لإدارة وتنسيق الشؤون الإنسانية» في صنعاء اعتبرت إصرار «البرنامج» على تطبيق هذا النظام انتهاكاً لخصوصية المواطن اليمني وكرامته، مبدية في الوقت نفسه حرصها على مناقشة جميع الجوانب المتعلقة بتصحيح قوائم المستفيدين. وفي مؤتمر صحافي عقد أخيراً، اتهمت «الهيئة» «برنامج الغذاء» بـ«الفساد». وأشارت إلى أنها خاطبت «البرنامج» بخصوص استيراده وتوزيعه مواد غذائية وإغاثية فاسدة وتالفة وغير مطابقة للمواصفات والمعايير، وطالبته بوضع معالجات سريعة لإيقاف ذلك، لكنه رفض طلبها. كما نفت حكومة صنعاء اتهامات ديفيد بيزلي لها، في جلسة مجلس الأمن الأخيرة، بإعاقة تحرك «البرنامج»، وأكدت أنها منحت الأخير 1012 تصريح مزاولة و31776 تصريحاً أمنياً خلال الفترة الواقعة ما بين كانون الثاني/ يناير وحزيران/ يونيو 2019.
يشار، هنا، إلى أن «التحالف» الذي تقوده السعودية يعمل على الدفع في اتجاه تغيير مسار المساعدات الإنسانية من ميناء الحديدة إلى ميناء عدن، للتحكم فيها واستخدامها كورقة سياسية إضافية، مثلما استغلّ سابقاً قرار نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن أواخر عام 2016، ليحوّله إلى ورقة ضد موظفي الدولة في المحافظات الشمالية.