أعادت التصريحات التي أدلى بها، أمس، المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، من الكويت، بعضاً من التفاؤل بإمكانية انطلاق عجلة المفاوضات في وقت قريب. لكن على الأرض، ظلّت المعطيات تشير إلى نية السعودية والإمارات المضيّ في تصعيدهما المتجدد على جبهة الساحل الغربي حتى تحقيق ما تأملانه من منجز ميداني يمكنهما البناء عليه. في هذا الوقت، كانت الرياض تراقب بقلق الفتور الدولي، وخصوصاً الأميركي، في التعامل مع إعلانها وقف عبور شحنات نفطها عبر باب المندب، وهو ما عبّرت عنه في الرسالتين اللتين بعثت بهما إلى مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة.

وأمل المبعوث الأممي، أمس، عقب لقائه أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، «تحقيق السلام في اليمن في غضون الشهر المقبل». وذكّر غريفيث، وفق ما نقلت عنه وكالة الأنباء الكويتية، بأن «الكويت استضافت، قبل عامين، الأطراف اليمنية لمدة 100 يوم في محادثات سلام»، مضيفاً أنه «رغم عدم توصل تلك المحادثات إلى اتفاق آنذاك، إلا أنها حددت المسار نحو السلام»، متابعاً أن «الكويت هي المحور المركزي لنا وللسلام». وتأتي تصريحات غريفيث هذه لتدعم ما كانت قد نقلته عنه وسائل إعلام سعودية من أنه سيُحدّد يوم الخميس المقبل، تاريخ تقديمه إحاطته إلى مجلس الأمن الدولي، الموعد المفترض لانعقاد جولة جديدة من المشاورات. كذلك، تستبطن زيارة مندوب المنظمة الدولية إلى الكويت في هذا التوقيت بالذات، وتشديده من هناك على محورية الدولة الخليجية في «صنع السلام في اليمن»، إشارات إلى احتمال أن يستضيف الكويتيون مرة أخرى جولة المشاورات تلك، بعدما سرى الحديث عن أن سويسرا يمكن أن تكون هي الوجهة المقبلة.
وبمعزل عن هوية البلد الذي سيحتضن المفاوضات هذه المرة، تبقى خطة مارتن غريفيث لإجلاس الأطراف اليمنيين إلى طاولة الحوار على المحك، وسط مخاوف من أن تلقى المصير الذي آلت إليه سابقاتها في جنيف والكويت. مخاوف تبدو مُبرّرة بالنظر إلى تواصل التصعيد الميداني من جهة، وعدم تبلور موقف دولي حاسم في الدفع نحو وقف الحرب من جهة أخرى. وضمن الموجة العدوانية الجديدة التي دشّنتها يوم الأربعاء الماضي، شنّت مقاتلات «التحالف»، أمس، أكثر من 15 غارة على مناطق متفرقة في مديرية الدريهمي بمحافظة الحديدة. وترافق القصف مع توجيه السعودية، عبر قواتها البحرية الموجودة قبالة المحافظة، تحذيرات إلى ما يزيد على 30 ألف صياد يمني على طول الساحل الغربي من ممارسة مهنتهم تحت طائلة اعتبارهم «هدفاً عسكرياً مشروعاً». وجاءت تلك التهديدات بعدما تعمّد طيران العدوان يومي الأربعاء والسبت الماضيين استهداف صيادي الحديدة بشكل مباشر، مثلما حصل أول من أمس عندما أغار الطيران على أربعة زوارق بالقرب من إحدى الجزر، ما أدى إلى مقتل جميع من كانوا على متنها.

قطعت القوات المشتركة خطوط إمداد الميليشيات المتمركزة بين زبيد والتحيتا


لكن ذلك التفوق في استهداف المدنيين وممتلكاتهم لا ينعكس فائدة على «التحالف» في محاولته إحراز تقدم في المناطق الداخلية من محافظة الحديدة. إذ، بعدما بالغت وسائل الإعلام الموالية للسعودية والإمارات في التجييش لما سمّتها «معركة تحرير زبيد»، جاءت تطورات اليومين الماضيين لتؤكد أن التغلغل داخل الحديدة ليس بسهولة التحرك على شريطها الساحلي. وأكدت مصادر ميدانية من الجيش واللجان الشعبية، أمس، انقطاع طرق إمدادات الميليشيات المدعومة إماراتياً، والتي كانت قد تقدمت عبر الخط الرابط بين مديريتي التحيتا وزبيد، واستقرت في المزارع الكثيفة الواقعة على حدود المديريتين، موضحة أن القوات المشتركة قطعت الطريق المحاذي لنخيل الجريب في منطقة الفازة جنوب التحيتا، و«أوقفت أي تعزيزات قادمة من الخوخة باتجاه التحيتا وزبيد بشكل كامل». وقلّلت المصادر نفسها من أهمية التوعّد بـ«تحرير زبيد»، لافتة إلى أن «ألوية العمالقة وألوية تهامة لا تزال متعثرة في التحيتا، وهي في وضع دفاعي بعد تكثيف الجيش واللجان هجماتهما على مواقعها».
ورغم المؤشرات الميدانية غير المُبشّرِة بالنسبة إلى السعودية والإمارات، إلا أن الأخيرتَين تبدوان مُصرّتين على «المغامرة» داخل الحديدة، مستفيدتَين مما قد يكون غطاءً أميركياً متجدداً للتصعيد، تعويضاً عن «التقاعس» في نجدة الرياض عقب إعلانها تعليق مرور شحنات النفط عبر باب المندب. «تقاعس» ربما شكّلت الرسالتان اللتان بعث بهما، أخيراً، المندوب السعودي لدى الأمم المتحدة، عبد الله المعلمي، إلى الأمين العام للمنظمة الدولية ورئيس مجلس الأمن الدولي، تعبيراً واضحاً عن الامتعاض منه. إذ استنكر المعلمي، في الرسالتين، «تراخي مجلس الأمن في مواجهة الانتهاكات الفاضحة لقراراته، وبالتحديد حظر الأسلحة (المفروض على اليمن)»، مطالِباً بـ«التنفيذ الناجز لكل قرارات مجلس الأمن من أجل الحيلولة دون استخدام الحوثيين ميناء الحديدة منصة لعملياتهم»، وكذلك اتخاذ «إجراءات ملحة لمعالجة مخزون الحوثيين من الأسلحة من أجل الحيلولة دون تصعيد هذه الهجمات التي تصعّد أخطار وقوع مواجهة إقليمية أوسع».
وفي انتظار جلاء الموقف الأميركي من الإعلان السعودي بشأن باب المندب، ترسل الأوساط المقربة من مراكز القرار في واشنطن إشارات تشجيعية على «تخلي التحالف عن المحادثات... وتجديد جهود إنهاء الحرب الأهلية وهزيمة الحوثيين مرة واحدة» (وفق ما ورد في أحدث تقارير «ستراتفور» بشأن اليمن)، ما يشي بأن الولايات المتحدة قد لا ترى ضيراً في دعم عملية جديدة لتحالف العدوان في الحديدة، وإن كانت غير مُتحمِّسة للقيادة الإماراتية للمعركة، وفق ما بدا في خلال الأسبوع الماضي.